الحوثيون يتعمدون اختزال الحرب في صراعهم مع السعودية، وكأن المشكلة ليست بينهم وبين اليمنيين، وكأنهم لم يسقطوا الجمهورية، ومؤسسات الدولة لم تُنهب، واليمنيون لم يُقصوا أو يُقتلوا أو يُعتقلوا. هذه الدعاية ليست بريئة، إنها محاولة لإخفاء حقيقة الصراع الداخلي، وتحويل جماعة استولت على الدولة في إنقلاب مكتمل الأركان إلى طرف يواجه عدواناً خارجياً.
لكن أخطر ما في المشروع الحوثي هو ما يفعله بالهوية الوطنية. فبدلاً من اليمن وطناً يتساوى فيه أبناؤه، يعيد إنتاجه على أساس مذهبي واجتماعي، ويستدعي الإصطفاف المذهبي بوصفه أداة سياسية وهوياتية للتقسيم.
الزيدية لم تكن في اليمن مذهباً دينياً بالمعنى الذي نعرفه عن المذاهب الإسلامية، وإنما كانت في جوهر توظيفها مذهباً سياسياً للإمامة، كُرّست من خلاله إمامة البطنين ليُحكم اليمنيون وفقاً لهذا التصور السلالي، ثم صُنّف هذا التصور مذهباً دينياً لتكريس السلطة. وهنا يكمن الخلاف الحقيقي بين اليمنيين وهذا التصور السلالي للحكم، الذي حوّل النسب إلى حق في السلطة، وما يسمى بالمذهب إلى أداة لها، والانتماء الاجتماعي إلى امتياز فوق المواطنة. ولم تكن الشافعية في اليمن بعيدة عن هذا السياق، فقد جرى توظيفها، في مواجهة الزيدية الإمامية، بوصفها مقابلاً مذهبياً داخل البنية السياسية والاجتماعية التي كرّستها الإمامة، حتى تحولت التصنيفات المذهبية إلى حدود تفصل اليمنيين عن بعضهم. والحقيقة أن اليمنيين في أصل إسلامهم لم يكونوا بحاجة إلى هذه التصنيفات، فقد عرفوا الإسلام وآمنوا به ديناً جامعاً قبل أن يولد الهادي الرسي الهاشمي أو الشافعي الهاشمي، وقبل أن تتحول المذاهب إلى هويات سياسية للصراع على السلطة.
الخطاب الحوثي لا يؤمن في جوهره بدولة المواطنة المتساوية، ولا بتداول السلطة سلمياً، ولا بأن الدستور والقانون مرجعية للجميع. إنه يريد سلطة تستمد مشروعيتها من تصور يجعل سلالته أحق بالحكم من سائر اليمنيين وتقوم بتحقيق هذا التصور على الأرض بالقوة والسلاح وسفك الدماء.
ولهذا فإن المعركة مع الحوثي ليست معركة على كرسي الحكم فحسب، بل على طبيعة اليمن نفسه، هل يكون دولة لكل أبنائه، أم سلطة تملكها سلالة ويُطلب من الآخرين الخضوع لها؟
غير أن الحوثي لم يبلغ ما بلغه بقوته وحدها. فقد وفّرت له أخطاء التحالف، وإطالة أمد الحرب، وتعدد مراكز القرار، وغياب استراتيجية واضحة لاستعادة الدولة، فرصاً لإعادة تنظيم صفوفه وتثبيت سلطته وتقديم نفسه بوصفه الطرف الأكثر تماسكاً في المشهد.
الشرعية لم تستطع أن تكون بديلاً وطنياً مقنعاً. فقد تحولت، بفعل ضعفها واغترابها عن الداخل، إلى وعاء لمصالح شخصية وحسابات ضيقة، شرعية مهاجرة بلا حضور مؤسسي فاعل، ولا قرار مستقل، ولا مشروع جامع.
وهكذا وجد الحوثي أمامه بيئة مثالية للتمدد: مشروع مسلح واضح، وخصوم متناقضون، وشرعية مغتربة مرتهنة، ومجتمع أنهكته الحرب وفقد ثقته بمعظم الأطراف.
ومن هنا، فإن مواجهة الحوثي لا تكون بالقصف وحده ولا بالخطاب وحده، وإنما بإعادة بناء الشرعية لتقود بحق استعادة الدولة، شرعية حقيقية، حاضرة في الميدان، مستقلة في قرارها، خاضعة للمساءلة، وقادرة على توحيد القوى الوطنية حول مشروع واضح.
لقد أُنهكت اليمن بالحروب، لكنها لم تُهزم فكرياً. واستعادة الدولة لا تعني إخراج الحوثي من الحكم فحسب، بل إسقاط الفكرة التي تقف خلف مشروعه: أن الحكم حق موروث، وأن السلاح بديل عن الدستور، وأن الماضي يستطيع أن يحكم المستقبل، وليعود مناصروه مواطنون كغيرهم في الحق والواجب.
والطريق إلى ذلك يمر عبر حقيقتين لا يمكن تجاهلهما: مواجهة المشروع الحوثي، ومراجعة الأخطاء التي سمحت له بالتمدد. فالدولة لن تستعيدها مليشيات مسلحة لفلان هنا أو جهة هناك، ولا شرعية سياسية تدور في منطقة أنعدام الوزن خارج الوطن، ولا حليف يدير الصراع بالتردد وغموض الأهداف، وإنما مشروع وطني يعيد لليمنيين دولتهم ومواطنتهم وقرارهم.
#صالح_الجبواني