في عمق تاريخ جنوب الجزيرة العربية، وفي واحدة من أكثر المراحل التاريخية أهمية في تاريخ اليمن القديم، برزت مملكة أوسان كإحدى الممالك الجنوبية التي تركت بصمتها السياسية والاقتصادية والحضارية في المنطقة.
لكن أوسان، رغم مكانتها، تبدو اليوم وكأنها واحدة من أكثر صفحات التاريخ اليمني تعرضًا للنسيان والتهميش. فقد ابتلعت الحروب القديمة مملكة كاملة، ثم جاءت القرون اللاحقة لتزيد من غيابها عن الذاكرة التاريخية، حتى أصبح حضورها في الوعي العام أقل بكثير من حضور ممالك أخرى كسبأ وقتبان وحضرموت ومعين.
ولعل المفارقة أن أهم ما نعرفه عن نهاية أوسان جاء من نقش سجله خصمها المنتصر، الملك السبئي كرب إيل وتر، في معبد المقه بمدينة صرواح. ويقدم هذا النقش وصفًا لحملات عسكرية واسعة شملت أوسان ومناطق أخرى في جنوب الجزيرة العربية، ويكشف عن الصراع على الأرض والنفوذ والموانئ والطرق التجارية. وتشير الدراسات إلى أن أوسان كانت قد بسطت نفوذها على مناطق من أراضي قتبان وحضرموت، الأمر الذي جعل الصراع بينها وبين القوى الإقليمية الأخرى أكثر تعقيدًا.
أوسان التي لم تكن مملكة هامشية
تشير الشواهد الأثرية والنقوش إلى أن مركز أوسان كان في وادي مرخة بمحافظة شبوة، وأن نفوذها امتد جنوبًا باتجاه خليج عدن والبحر العربي. كما ارتبطت أوسان بالنشاط التجاري في جنوب الجزيرة العربية، وكان موقعها الجغرافي يمنحها أهمية كبيرة في شبكة الطرق التجارية والموانئ القديمة.
وفي وادي مرخة ما زالت آثار مدنها ومعابدها ونقوشها شاهدة على حضارة لم تكن عابرة في تاريخ اليمن القديم. بل إن الدراسات الأثرية الحديثة لا تزال تضيف إلى معرفتنا بأوسان؛ فقد نُشرت دراسة أكاديمية عن نقش أوساني جديد عُثر عليه في وادي مرخة، وهو ما يؤكد أن المادة الأثرية الأوسانية لم تنتهِ، وأن ما نعرفه عن هذه المملكة لا يمثل سوى جزء من تاريخها.
وهنا يبرز السؤال:
هل اختفت أوسان لأنها لم تكن مهمة؟ أم أن المنتصر في الحرب كتب الجزء الأكبر من التاريخ الذي وصل إلينا؟
نقش المنتصر وذاكرة المهزوم
إن المشكلة في قراءة التاريخ القديم ليست في وجود النقوش، وإنما في طبيعة مصادرها.
فالنقش الذي يوثق انتصار كرب إيل وتر يمثل، في جانب منه، رواية القوة المنتصرة. وتشير المصادر إلى أن الحملة أدت إلى تدمير مدن أوسانية وإلحاق هزيمة قاسية بها، ثم جرى توزيع أجزاء من أراضيها بين القوى المتحالفة مع سبأ، وفي مقدمتها قتبان وحضرموت.
وبالتالي فإن اختفاء أوسان من المشهد السياسي لا يعني اختفاء شعبها أو ثقافتها أو آثارها، وإنما يعني في المقام الأول سقوط دولتها السياسية وتراجع قدرتها على إنتاج المصادر التي تحفظ روايتها الخاصة.
وهذه نقطة مهمة في قراءة التاريخ.
فالمنتصر يمتلك الجيوش، لكنه يمتلك في كثير من الأحيان أيضًا القدرة على تخليد روايته. أما المهزوم فقد تتحول حضارته إلى أطلال، وتصبح قصته مجرد هامش في سجلات الآخرين.
ولذلك فإن إعادة قراءة تاريخ أوسان ليست محاولة للانتقاص من سبأ أو قتبان أو حضرموت، وإنما هي محاولة لاستعادة التوازن في قراءة التاريخ اليمني القديم.
من أوسان إلى اليمن المعاصر
ربما تبدو المسافة الزمنية بين أوسان واليمن المعاصر طويلة جدًا، لكن التاريخ يطرح علينا سؤالًا متكررًا:
هل نستطيع أن نبني دولة مستقرة إذا ظل كل طرف يرى نفسه مالكًا وحيدًا للتاريخ والجغرافيا والحق السياسي؟
لقد عرف اليمن القديم تعددًا سياسيًا وحضاريًا واضحًا؛ سبأ، معين، أوسان، قتبان، حضرموت وغيرها. ولم تكن هذه الممالك مجرد أسماء على الخريطة، بل كانت كيانات سياسية واقتصادية وثقافية ذات مصالح وحدود ونفوذ وعلاقات وتحالفات وصراعات.
وهذا التنوع لا ينبغي أن يُقرأ اليوم بوصفه سببًا للانقسام، بل يمكن أن يكون مدخلًا لفهم حقيقة مهمة:
اليمن لم يكن تاريخيًا لونًا واحدًا ولا مركزًا واحدًا ولا مجتمعًا واحدًا متطابق المصالح في كل مراحله.
ومن هنا فإن الاعتراف بالتعدد التاريخي والمناطقي لا يعني الدعوة إلى تفكيك اليمن، بل قد يكون أساسًا لبناء دولة اتحادية حديثة تستوعب هذا التنوع بدل أن تحاول إلغاءه.
من الممالك القديمة إلى «ممالك العسكر»
لقد جُرّبت في اليمن خلال العقود الماضية صيغ سياسية مختلفة، وكان من المفترض أن تقود الجمهوريات إلى بناء دولة المواطنة والمؤسسات.
لكن النتيجة في مراحل عديدة كانت مختلفة؛ إذ تحولت الجمهوريات عمليًا إلى أنظمة شديدة المركزية، احتكرت السلطة والثروة، وأنتجت ما يمكن تسميته مجازًا بـ «ممالك عسكرية»، حيث أصبحت الدولة مرتبطة بشخص الحاكم ومركز القوة أكثر من ارتباطها بالمؤسسات.
ولهذا فإن السؤال المطروح اليوم ليس فقط: كيف نحافظ على وحدة اليمن؟
بل السؤال الأهم:
أي وحدة نريد؟
وحدة تقوم على الغلبة والمركزية والإقصاء؟
أم وحدة تقوم على الشراكة والاعتراف بالتعدد وتوزيع السلطة والثروة؟
ممالك اليمن الاتحادية
من هنا يمكن النظر إلى فكرة «ممالك اليمن الاتحادية» باعتبارها مقترحًا فكريًا يستلهم التاريخ دون أن يعيد إنتاجه.
فليس المقصود إعادة ممالك سبأ وأوسان وقتبان وحضرموت ومعين كما كانت قبل آلاف السنين، فهذا أمر غير ممكن ولا مطلوب.
المقصود هو الاستفادة من حقيقة أن اليمن عرف تاريخيًا مراكز متعددة للقوة والحضارة، ثم تحويل هذه الحقيقة إلى نموذج اتحادي حديث يقوم على أقاليم قوية، وحكومة اتحادية، ومواطنة متساوية، وتقاسم عادل للسلطة والثروة.
يمكن أن تكون أسماء الممالك القديمة مصدر إلهام ثقافي وحضاري للأقاليم الاتحادية، دون أن تتحول إلى حدود مغلقة أو هويات متصارعة.
فأوسان ليست ضد سبأ، وحضرموت ليست ضد قتبان، ومعين ليست ضد بقية اليمن.
إنها صفحات متعددة من كتاب واحد اسمه اليمن.
أوسان ليست الماضي فقط
إن استعادة أوسان إلى الذاكرة اليمنية ليست قضية أثرية محضة.
إنها قضية تتعلق بكيفية تعاملنا مع تاريخنا.
فإذا كنا نريد بناء دولة جديدة، فعلينا أولًا أن نتعلم الاعتراف بالآخر، وأن نقر بأن لكل منطقة ومجتمع وكيان تاريخًا وذاكرة ومساهمة في صناعة اليمن.
لقد دُفنت أوسان تحت الرمال، لكن النقوش التي عُثر عليها في وادي مرخة ما زالت تتحدث.
وكل نقش جديد يظهر هناك يذكرنا بأن التاريخ ليس ما كتبه المنتصر وحده، وإنما هو ما تستطيع الأجيال اللاحقة أن تعيد اكتشافه وقراءته بصورة أكثر إنصافًا.
ومن هنا فإن معركة أوسان الحقيقية اليوم ليست مع سبأ، ولا مع قتبان، ولا مع حضرموت.
إنها مع النسيان.
ومعركة اليمن اليوم ليست مع ماضيه، وإنما مع حاضر أثبت أن المركزية والغلبة والإقصاء لا تصنع دولة مستقرة.
لقد آن الأوان أن ننتقل من محاولة إلغاء التاريخ إلى الاعتراف به، ومن احتكار الدولة إلى المشاركة فيها، ومن فرض الوحدة بالقوة إلى بناء اتحاد يحمي الجميع.
فاليمن الذي عرف سبأ ومعين وأوسان وقتبان وحضرموت، قادر على أن يبني دولة اتحادية حديثة تستوعب هذا التنوع بدل أن تحوله إلى صراع.
وربما يكون الاعتراف بأوسان، وإعادة موقعها الحقيقي في الذاكرة الوطنية، خطوة صغيرة في الطريق الطويل نحو الاعتراف بكل مكونات اليمن وتاريخه المتعدد.