آخر تحديث :الثلاثاء-15 سبتمبر 2026-12:32م

كيف يعيد عدم اليقين تشكيل قرارات السوق في اقتصاد الحرب؟

الأحد - 23 أغسطس 2026 - الساعة 07:17 ص
نايف حمود العزي


لا ينتظر الاقتصاد وقوع الخطر حتى يستجيب له، يكفي ارتفاع احتمال تعطل الإمدادات أو النقل أو التمويل أو تغير سعر الصرف حتى يعيد المتعاملون حساب قراراتهم، فالمعاملة التجارية تُبنى على تكلفة متوقعة خلال فترة محددة، وكلما أصبحت هذه الفترة أكثر عرضة للتغير ارتفعت المخاطرة المرتبطة برأس المال.

تأخذ المسألة وزنًا أكبر في اليمن، حيث يتحرك النشاط الاقتصادي داخل بيئة نقدية ومؤسسية منقسمة، تتفاوت فيها شروط الوصول إلى الأسواق بين مناطق السيطرة، ومع التصعيد العسكري الحالي، يدخل احتمال التعطل في حسابات السوق قبل أن يتحول إلى تعطل فعلي.

السؤال الاقتصادي هنا ليس حجم الضرر الذي وقع، وإنما كيف يغير احتمال الضرر طريقة اتخاذ القرار؟

أولًا: إعادة تسعير الزمن

كلما تراجعت القدرة على التنبؤ، أصبح إبقاء رأس المال معرضًا للظروف لفترة طويلة أكثر كلفة. يعيد المستثمر والتاجر والمستورد حساب المدة التي يبقى خلالها رأس المال مرتبطًا بالمعاملة، لأن تغير سعر الصرف أو النقل أو شروط الوصول خلال هذه الفترة قد يغير عائدها المتوقع.

يظهر ذلك بوضوح في حركة السلع بين مناطق السيطرة. قد يكون الطريق الأقصر والأقل تكلفة هو الخيار الأفضل في الظروف العادية، ثم تتغير المفاضلة عندما يرتفع احتمال توقفه أو تأخره. عندها قد يصبح الطريق الأطول أكثر جاذبية إذا كان يوفر تكلفة يمكن التنبؤ بها بدرجة أعلى.

التاجر هنا لا يقارن بين مسارين من حيث السعر فقط، بل يقارن بين تكلفة منخفضة غير مؤكدة وتكلفة أعلى يمكن تقديرها، وإذا كان التأخير سيجمد رأس المال أو يفقده فرصة بيع، تصبح كلفة الانتظار جزءًا من القرار. وبهذا يصبح الزمن عنصرًا اقتصاديًا في تقييم المخاطر، وليس مجرد مدة للنقل أو التسوية.

ثانيًا: إعادة ترتيب المعاملة

عندما تتغير المخاطر، تتغير شروط المعاملة نفسها. أجل السداد يقصر، أحجام الشحنات تتغير، وتتبدل وسائل الدفع ومسارات النقل أيضًا، ويصبح المورد أكثر تحفظًا في منح الائتمان التجاري.

المورد الذي يواجه احتمال تأخر السداد أو تغير قيمة العملة أو تعطل التوريد قد يطلب تسوية أسرع أو يقلل البيع الآجل، وفي اقتصاد يعاني أصلًا من ضعف الوساطة المصرفية، يصبح توفر الائتمان وشروطه جزءًا من قدرة السوق على الاستمرار.

كما أن الاعتماد على النقد والقنوات غير المصرفية يكتسب أهمية أكبر عندما تصبح المعاملة المصرفية أكثر صعوبة. لكن لا ينبغي الانتقال من هذه الملاحظة إلى افتراض ارتفاع معدل دوران النقد دون بيانات تثبت ذلك، الأوضح هو أن جزءًا من إدارة السيولة يتحول خارج الوساطة المصرفية.

وتتعدد قنوات انتقال التكلفة إلى الأسعار في الاقتصاد اليمني، ففي مناطق الحكومة الشرعية يمثل سعر الصرف قناة رئيسية لانتقال تكلفة الواردات والمدخلات إلى الأسعار، بينما في مناطق الحوثيين تتراكم تكاليف أخرى ناتجة عن تعدد الرسوم والضرائب ونقاط التحصيل.

ويزيد الازدواج الجمركي من هذه المشكلة عندما يدفع التاجر رسومًا في منفذ تابع لسلطة، ثم يواجه تحصيلًا جديدًا عند انتقال السلعة إلى منطقة تخضع لسلطة أخرى، عندها لا تحدد المسافة أو التعرفة المعلنة التكلفة النهائية وحدهما؛ إذ يصبح مسار السلعة نفسه متغيرًا في حساب التكلفة، وقد يدفع اتساع نطاق التكلفة المحتملة التاجر إلى تقليل حجم المعاملة.

ثالثًا: إعادة توزيع القيمة

تتفاوت قدرة الفاعلين على التعامل مع عدم اليقين، فبعضهم يمتلك سيولة أكبر، أو معلومات أسرع، أو وصولًا أفضل إلى النقد الأجنبي والسلع وشبكات النقل والتوزيع.

ومع ارتفاع المخاطر، تزداد القيمة الاقتصادية لهذه القدرات، فالتاجر القادر على تغيير مسار شحنته أو تأمين مورد بديل بسرعة يستطيع مواصلة النشاط بشروط أفضل من تاجر يعتمد على قناة واحدة. ومن يستطيع توفير السيولة في الوقت المناسب يملك قدرة أكبر على امتصاص التأخير وتقلب التكلفة.

وينطبق الأمر على حركة السلع بين مناطق السيطرة، فمع تعدد نقاط التحصيل وتغير شروط المرور، تصبح معرفة المسارات وتوقيت الحركة والقدرة على استخدام البدائل عناصر مؤثرة في تكلفة المعاملة.

والنتيجة أن عدم اليقين يغير توزيع العوائد داخل السوق. الفاعل الذي يمتلك قدرة أفضل على الوصول أو المعلومات أو السيولة يستطيع امتصاص جزء من المخاطر التي يتحملها غيره، وقد يحصل مقابل ذلك على هامش أعلى.

رابعًا: من التحوط إلى تخصيص الموارد

يبقى التحوط قرارًا عقلانيًا على مستوى الفاعل الفردي ما دامت الصدمة محدودة زمنيًا. الاحتفاظ بسيولة أعلى، وتقليل حجم الالتزام، أو تفضيل نشاط أسرع في استرداد رأس المال، كلها استجابات مفهومة عندما ترتفع المخاطر.

لكن استمرار عدم اليقين وتكرار الاستجابة نفسها يمكن أن ينقلا الأثر إلى مستوى آخر. فإذا اتجه عدد كبير من الفاعلين إلى الاحتفاظ بسيولة أعلى، وتقليل الالتزامات، وتفضيل الأنشطة الأسرع استردادًا لرأس المال، فقد يتغير تخصيص الموارد تدريجيًا.

ما يحمي رأس مال التاجر منفردًا قد يقلل، في مجموعه، الموارد المتاحة للاستثمار طويل الأجل، وقد تتراجع جاذبية الأنشطة التي تحتاج إلى فترة أطول لاسترداد رأس المال مقارنة بالأنشطة التي تسمح بتعديل القرار وتحرير السيولة بسرعة.

هنا تظهر المفارقة على المستوى الكلي: القرار الذي يبدو عقلانيًا لكل فاعل بمفرده قد ينتج، عندما يتكرر على نطاق السوق، تغيرًا في تخصيص الموارد.

هذه ليست نتيجة يمكن نسبها إلى التصعيد الحالي بعد فترة قصيرة؛ إنها مسار محتمل إذا تحولت حالة عدم اليقين من صدمة مؤقتة إلى بيئة مستمرة للقرار الاقتصادي.

الخاتمة

يبدأ أثر عدم اليقين قبل وقوع الخسارة، فارتفاع احتمال التعطل يعيد حساب الزمن والتكلفة وشروط السداد ومسار النقل، ثم يغير قيمة السيولة والمعلومات والوصول والبدائل.

التصعيد العسكري الحالي ما زال حديثًا، لذلك يصعب الحكم من الآن على أثره الهيكلي. ما يمكن رصده في هذه المرحلة هو تغير الحسابات التي يبني عليها المتعاملون قراراتهم: تكلفة أعلى محتملة، وفترة تعرض أطول للمخاطر، وشروط أقل قابلية للتنبؤ.

وإذا استمرت هذه البيئة، يمكن أن تنتقل آثارها تدريجيًا من تعديل المعاملات إلى التأثير في تخصيص رأس المال، لذلك يصبح خفض عدم اليقين جزءًا من إعادة بناء بيئة القرار الاقتصادي، لا مجرد نتيجة متوقعة لوقف التصعيد.