إن معضلة منطقة الشرق الأوسط غدت من الأزمات المزمنة المتراكمة والمتوالدة بعضها من بعض بما لا يمكن احتواؤها بإعادة توزيع القوات أو عقد تحالفات عسكرية جديدة لأنها اليوم تمر بمرحلة تغير استراتيجي تعيد فيها المنطقة اكتشاف حقيقة الأمن الاستنزافي الذي لم يعد قادرا على حماية مصالحه في المنطقة ومصالح حلفائه لا سيما بعد سقوط العراق الذي كان يعد من أهم ثغور الأمن الجيوسياسي للمنطقة .
كما أن تحولات عام 2026 كشفت أن النظام الأمني الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية ثم أعيد إنتاجه بعد حرب الخليج يواجه اختبارا بنيويا يتجاوز قدرة أي دولة منفردة على التعامل معه.
فالحرب بين الولايات المتحدة وإيران واضطراب حركة الملاحة والطاقة وإغلاق أو تقييد أحد أهم الممرات البحرية في العالم و تصاعد التهديدات على دول الخليج وعودة التوتر إلى البحر الأحمر كلها كشفت أن أمن الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط لم يعد بالإمكان التعامل معه كمساحات جغرافية منفصلة.
فالأمن أصبح شبكة واحدة مترابطة بين الطاقة والممرات البحرية والموانئ المرتبطة بسلاسل الإمداد ووالاستقرار الداخلي المرتبط بالأمن الإقليمي ودخل الاقتصاد مع ذلك ضمن معادلة الردع كما أصبحت التكنولوجيا والمعلومات والطائرات المسيرة والصواريخ جزءا من استراتيجية القوة.
ومن هنا تأتي أهمية التحول في العلاقات السعودية الإيرانية.
فالاتفاق الذي رعته الصين عام 2023 فتح للمرة الأولى منذ سنوات طويلة قناة يمكن من خلالها نقل العلاقة بين أكبر قوتين متنافستين في الخليج من الصراع بالوكالة إلى إدارة التنافس.
والأهم أن آلية المتابعة الثلاثية الصينية السعودية الإيرانية استمرت خلال عام 2025 مع تأكيد الطرفين التزامهما باتفاق بكين واحترام سيادة الدول وأمنها.
لكن المشكلة أن التقارب الدبلوماسي وحده لا يكفي لبناء نظام أمني جديد.
فالعلاقة بين الرياض وطهران لا تزال محكومة بتراكمات عميقة وباختلافات في تعريف النفوذ الإقليمي وبملفات اليمن والعراق وسوريا ولبنان وأمن الخليج والبرنامج النووي الإيراني.
ولذلك فإن الانتقال من المصالحة السياسية إلى التكامل الاستراتيجي يحتاج إلى خطوة أكبر منها تحويل التقارب الثنائي إلى عملية إقليمية متعددة الأطراف.
وهنا تظهر تركيا وباكستان بوصفهما عنصرين مختلفين عن الوساطة التقليدية.
فتركيا تمتلك موقعا جغرافيا يجعلها نقطة اتصال بين الخليج والشرق الأوسط والبحر الأسود وأوروبا كما تمتلك قوة عسكرية وصناعية وشبكة علاقات مع أطراف متناقضة.
أما باكستان فتمتلك خصوصية أخر حيث تتميز بعلاقة استراتيجية عميقة مع السعودية وقنوات تاريخية مع إيران وقدرة على لعب دور إسلامي غير عربي فضلا عن امتلاكها قوة نووية تجعلها جزءا من معادلة الردع الآسيوية.
ولذلك فإن جمع السعودية وتركيا وباكستان في إطار دفاعي جديد نقلة استراتيجية أولية نحو تقاسم تكاليف الأمن في المنطقة دبلوماسيا واقتصاديا ولكنها بدون مصر لن تكتمل.
إن اتفاق مكة الدفاعي في أغسطس 2026 يعكس بالفعل بداية تحول في مفهوم الأمن الإقليمي؛ فالوثيقة الموقعة بين الدول الثلاث تتعامل مع الاعتداء على إحدى الدول باعتباره اعتداء على الجميع وتؤسس لتوسيع التعاون الدفاعي والردع الجماعي.
و لكن المفارقة الاستراتيجية هنا أن نجاح هذا المسار لا ينبغي أن يكون في إنتاج كتلة جديدة ضد إيران وإنما في استخدام القوة الجديدة للتفاوض مع إيران.
وهنا تكمن النقطة الأكثر أهمية.
إذا تحول اتفاق مكة إلى نواة لتحالف مضاد لإيران فإن المنطقة ستعيد آلية الاستقطاب الذي أدى إلى أزمات السنوات الماضية.
أما إذا تحول إلى قاعدة دبلوماسية لبناء إطار أمني مشترك بحيث يضم إيران ضمن منظومة الشرق الأوسط فإنه يمكن أن يصبح أحد مكونات نظام إقليمي جديد.
بمعنى آخر يجب ألا يكون الهدف هو إنشاء ناتو إسلامي ضد إيران بل بناء منظومة أمن إسلامية إقليمية متعددة الأطراف تستطيع إيران أن تكون جزءا منها عندما تتوافر الشروط السياسية والأمنية.
وهذا يتطلب الانتقال من مفهوم التحالف إلى مفهوم الأمن الجماعي.
فالتحالف يقوم عادة على وجود خصم. أما الأمن الجماعي فيقوم على وجود قواعد ومصالح وتحديات مشتركة .
والفرق جوهري في النموذج الأول إذ تحتاج الدول إلى عدو
لتستمر المنظومة بينما تحتاج في النموذج الثاني إلى مصالح مشتركة وقواعد تمنع الحرب.
ومن هنا يمكن تصور منظومة تتكون من السعودية وإيران وتركيا وباكستان ومصر ودول الخليج والعراق، مع إمكانية انضمام دول أخرى وفق طبيعة كل ملف.
ولا يعني ذلك إنشاء منظمة سياسية جديدة منذ اليوم الأول وإنما بناء طبقات متدرجة من التعاون تبدأ بالأمن البحري والطاقة ومكافحة الإرهاب وحماية الحدود ثم تنتقل إلى الاقتصاد وسلاسل الإمداد وصولا إلى آليات منع النزاعات.
وتكتسب الوساطة التركية الباكستانية في هذه المعادلة أهمية خاصة لأنها يمكن أن تؤدي وظيفة مختلفة عن الوساطة الصينية.
فالصين استطاعت أن تجمع السعودية وإيران في مسار دبلوماسي لكنها ليست قوة إقليمية بالمعنى الجغرافي المباشر.
بينما تركيا وباكستان على العكس كونهما تنتميان إلى المجال الجغرافي والسياسي والأمني الإسلامي نفسه ولهما مصالح مباشرة في استقرار الخليج والشرق الأوسط.
لذلك يمكن أن تنتقل الوساطة من مرحلة إعادة العلاقات إلى مرحلة إعادة بناء قواعد العلاقة.
لكن النجاح يتطلب عدم تحميل الوساطة أكثر مما تحتمل. فالوسيط لا يستطيع أن يصنع توافقا إذا لم تكن القوى المعنية قد وصلت إلى قناعة بأن تكلفة الصراع أعلى من عائداته.
وهذه هي النقطة التي تغيرت جذريا منذ اندلاع ثورات الربيع.
لقد اكتشفت دول المنطقة أن الحرب الحديثة كالثورات الفوضوية لا تضرب الجيوش فقط وإنما يمكن أن تضرب الموانئ والمطارات والمنشآت النفطية وشبكات الكهرباء والاتصالات والمصارف وسلاسل الإمداد.
ويمكن لصاروخ أو مسيرة منخفضة التكلفة أن تخلق تكلفة اقتصادية وسياسية تتجاوز قيمتها العسكرية بأضعاف.
ولهذا فإن الأمن الاقتصادي غدا جزءا من الأمن القومي.
فالسعودية تحتاج إلى استقرار طويل الأمد كي تنجح في التحول الاقتصادي المرتبط برؤية 2030 وإيران تحتاج الخروج من اقتصاد العقوبات والعزلة وتركيا تحتاج إلى استقرار محيطها الجنوبي والأسواق العربية وباكستان تحتاج إلى تدفقات الاستثمار والطاقة وأسواق مستقرة ومصر تحتاج إلى أمن البحر الأحمر وقناة السويس ودول الخليج تحتاج إلى حماية منشآتها وممراتها البحرية.
هذه المصالح إذا جرى تجميعها يمكن أن تصبح أقوى من دوافع التنافس وهنا يظهر مفهوم استراتيجية الخروج من الأزمات.
إم الخطأ الذي ارتكبته المنطقة لعقود هو في كيفية التعامل مع كل أزمة وفصلها عن بعضها حيث تجني دول اقتصاد الثورات ثمن الفوضى الأمنية المنفرطة بدلا من الاختلافات الدبلوماسية المقيدة مع أنظمة الحكم السابقة حيث كانت عاطفة الانتقام أقوى من عقلانية الحكمة واستشرافاتها المستقبلية.
ولهذا تعاملت الدول بما فيها مصر مع أزمة اليمن على أنها أزمة يمنية و الخليج أزمة خليجية والعراق أزمة عراقية و البحر الأحمر أزمة بحرية والطاقة أزمة اقتصادية.
بينما الحقيقة أن هذه الملفات في عقلية السياسي الاستراتيجي مترابطة ضمن منظومة واحدة.
لذلك فإن استراتيجية الخروج لا ينبغي أن تبحث عن حل نهائي لكل أزمة وإنما عن تفكيك حلقات الأزمة.
في اليمن مثلا، لا يمكن تحقيق استقرار مستدام بمجرد اتفاق سعودي إيراني لأن المشكلة اليمنية أصبحت مرتبطة بإعادة تشكيل الدولة نفسها وبأمن البحر الأحمر وباب المندب وبالاقتصاد اليمني وبالعلاقات بين القوى المحلية والإقليمية.
وفي العراق لا يكفي الاتفاق على تقليص النفوذ المتبادل لذلك يجب بناء دولة قادرة على إنتاج توازن داخلي لا يجعلها ساحة للصراع الإيراني العربي.
وفي سوريا ولبنان لا يمكن فصل التسوية السياسية عن إعادة بناء الاقتصاد والمؤسسات.
أما أمن الخليج فيحتاج إلى مقاربة أكثر جرأة حيث يتطلب إنشاء آلية حوار أمني خليجي إيراني دائم بحيث تتعامل مع الملاحة والطاقة والصواريخ والطائرات المسيرة والأمن السيبراني والحوادث العسكرية ومنع سوء التقدير.
وهنا يمكن لتركيا وباكستان أن تكونا جزءا من الضمانات السياسية وليس بالضرورة من الترتيبات العسكرية المباشرة.
والهدف النهائي يجب أن يكون إنشاء نظام إنذار مبكر إقليمي بحيث لا تنتظر الدول وقوع الحرب حتى تبدأ الوساطة.
واقصد هنا إنشاء قنوات اتصال عسكرية وسياسية واقتصادية تعمل بصورة مستمرة وتسمح باحتواء الحوادث قبل تحولها إلى أزمات لكن الأمن وحده لا يكفي.
فالمنطقة لن تنتقل من التنافس إلى التكامل إذا بقي اقتصادها مجزأ ولذلك فإن المرحلة الثانية من المشروع يجب أن تكون اقتصادية.
يمكن إنشاء ممرات اقتصادية تربط الخليج بإيران وتركيا وباكستان، وتطوير شبكات السكك الحديدية والموانئ والطاقة وربط مناطق الإنتاج بمراكز الاستهلاك وإنشاء آليات لتسوية المدفوعات بالعملات المحلية في بعض القطاعات،ط وتطوير تجارة إقليمية تقلل من هشاشة الاقتصادات تجاه العقوبات أو اضطراب الدولار أو إغلاق الممرات البحرية.
وليس المقصود إلغاء التعامل بالدولار أو إنشاء عملة إسلامية فورية فهذا طرح سياسي أكثر منه اقتصادي.
إن المطلوب في المرحلة الأولى هو تنويع أدوات الدفع وتقليل المخاطر.
وفي هذا السياق، يمكن أن يصبح التكامل بين السعودية وإيران أحد أهم المشاريع الاقتصادية في المنطقة .. ليس لأن اقتصاد البلدين متكامل بصورة تلقائية وإنما لأن حجم مواردهما وموقعهما الجغرافي يمكن أن يخلق شبكة اقتصادية جديدة إذا جرى تجاوز منطق المنافسة الصفرية.
إن إيران تمتلك الطاقة والموارد البشرية والصناعات وبعض الممرات البرية نحو آسيا الوسطى والقوقاز وتمتلك السعودية رأس المال ومراكز الطاقة والموانئ ومشروعات البنية التحتية والقدرة على الاستثمار العالمي وتمتلك تركيا الصناعة واللوجستيات والتكنولوجيا والأسواق ومع باكستان السوق والقوة البشرية والموقع الذي يصل الخليج بجنوب آسيا وتعد مصر قلب المنطقة من حيث موقعها ومواردها البشرية .
وهنا نشير الى قضية أخرى فإنه لا يمكن لشركات سعودية أن تستثمر بكثافة في إيران في بيئة يمكن أن تعود فيها المواجهة السياسية إلى الصفر ولا يمكن لإيران أن تفتح اقتصادها إقليميا وهي تخشى أن تتحول الاستثمارات إلى أدوات ضغط. لذلك فإن التكامل الاقتصادي يحتاج إلى مظلة سياسية وهذه المظلة لا يمكن أن تكون سوى اتفاق إقليمي لإدارة الخلافات.
وهنا يمكن صياغة معادلة جديدة: الأمن يولد الثقة والثقة تفتح الاقتصاد والاقتصاد يجعل الحرب أكثر كلفة وارتفاع تكلفة الحرب يدفع إلى مزيد من الأمن.
هذه الحلقة إذا نجحت يمكن أن تغير قواعد الشرق الأوسط لصالح شعوبها وأنظمتها.
غير أن أكبر عقبة أمامها ليست إيران وحدها ولا السعودية وحدها وإنما القوى الخارجية التي اعتادت التعامل مع المنطقة من خلال نظام التحالفات المتنافسة والتفكيك المزمن إضافة إلى تسييس المعتقدات في المجال الديمقراطي .
فكلما ازداد اعتماد الدول العربية على ترتيبات أمنية إقليمية تراجع الاحتياج النسبي إلى المظلة الأمنية الخارجية.
وهذا لا يعني خروج الولايات المتحدة أو الصين أو روسيا من المنطقة وإنما يعني أن علاقتها بالمنطقة ستنتقل من دور الضامن الأمني إلى دور الشريك الخارجي وهذه نقطة استراتيجية بالغة الأهمية .
إن الهدف ليس طرد الولايات المتحدة من الشرق الأوسط ولا تحويل المنطقة إلى كتلة معادية للغرب في ظل استمرار مركزية الغرب حضاريا ومدنيا ومجتمعيا أو إنغلاق ايدلوجي تحت مظلة الإسلام يلغي استراتيجيته العالمية وفلسفته الإنسانية وطرقه الحكمية لا سيما أن الاعتماد الدولي المتكامل ثقافة مجتمعية كونية .
ان الهدف هو إنهاء حالة الاعتماد الأحادي على أي قوة خارجية وهذا هو المعنى الحقيقي لاستراتيجية الأمن الذاتي.
فالأمن الذاتي لا يعني الاكتفاء الوطني وإنما يعني أن تكون الدول قادرة على حماية مصالحها الأساسية من خلال شبكة إقليمية بحيث يصبح التدخل الخارجي خيارا وليس ضرورة.
وهنا أيضا يمكن فهم الاتفاق السعودي التركي الباكستاني بطريقة مختلفة فبدلا من اعتباره بداية كتلة عسكرية جديدة يمكن اعتباره المرحلة الأولى من بناء قدرة إقليمية على تحمل مسؤولية الأمن.
والمفارقة أن هذا المسار يمكن أن يكون أكثر استقرارا إذا فتح في مرحلة لاحقة الباب أمام إيران والعراق ومصر ودول الخليج الأخرى.
لكن ذلك يتطلب معالجة عقدة الثقة فإيران ستنظر إلى أي منظومة عسكرية جديدة بعين الشك خصوصا إذا اعتقدت أنها مصممة لمحاصرتها وقد تنحو بناء على ذلك للتقارب مع إسرائيل لتشكل حلفا مواجها للحلف السني ومن ثم تخسر الجغرافية الإسلامية أحد أهم الثغور الجغرافية الشرقية .
كما أن السعودية لن تقبل منظومة أمنية تجعلها مكشوفة أمام التهديدات الإيرانية أو وكلائها وهو ما يتطلب تشكيل مركز تكوين معالم الثقة ليس عبر العلاقات السياسية وإنما العلاقات التاريخية والمجتمعية أيضا بما في ذلك فتح باب للحوار العقائدي كأحد مداخل التعايش المجتمعي .
ومن جهة اخرى فإن تركيا لن تقبل أن تصبح أداة في صراع عربي إيراني وباكستان لا تستطيع تحمل حرب إقليمية جديدة.
ولذلك فإن التصميم المؤسسي يجب أن يضع قواعد تمنع استخدام المنظومة الجديدة في تغيير الأنظمة أو التدخل في الشؤون الداخلية أو شن حروب استباقية.
وهنا يمكن وضع مبدأ أساسي.. لا أمن إقليمي من دون عدم اعتداء إقليمي او تدخل في شؤون الظول حيث يجب أن تؤطر الدول الداخلة فيه ضمن منظومة ارادة الشعب في فرض اختياراته وخلق بيئة تنافسية صحية تقوم على الحوار السياسي ضمن فلسفة قانونية تستمد منها دول الإقليم مرجعيتها.
وهنا قد يبدو هذا المبدأ مثاليا لكنه يمكن تحويله إلى إجراءات عملية عبر خطوط اتصال عسكرية و إخطار مسبق بالمناورات وقواعد للملاحة واتفاقات لحماية المنشآت الحيوية و آلية للتحقيق في الحوادث وتحريم استهداف البنية التحتية المدنية والتزام متبادل بعدم استخدام الأراضي الوطنية لشن هجمات على دول الجوار ومن ثم تشكيل وخدة مركزية لمتابعة مهددي الأمن والاستقرار بحيث يكون لها فروع في كل دولة شريطة أن لا تتحول إلى أداة صلبة لمنافسي السلطة وهذا من أهم أدوات تحويل الإرهاب من قوة مقاومة إلى قوة منافسة.
فإذا بدأت المنطقة بهذه الملفات الصغيرة يمكن أن تنتقل لاحقا إلى الملفات الكبرى والأهم أن هذا النموذج لا يحتاج إلى اتفاق شامل منذ البداية.
حيث يمكن أن يبدأ بهندسة تدريجية للأمن الإقليمي، ففي المرحلة الأولى يكون تثبيت وقف التصعيد ومنع انتقال الحروب وفي الثانية إنشاء آلية أمنية خليجية موسعة تضم الدول العربية وإيران.
وفي المرحلة الثالثة ربط الأمن الخليجي بأمن البحر الأحمر.
وفي الرابعة بناء شبكة اقتصادية إقليمية تشمل الطاقة والنقل والموانئ والاستثمار.
و عند الخامسة تأسيس مؤسسة إقليمية دائمة لإدارة الأزمات ومنع النزاعات.
عند هذه المرحلة فقط يمكن الحديث عن انتقال الشرق الأوسط من نظام التحالفات إلى نظام التكامل وهو ما يمنع القوى الخارجية وإسرائيل من إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط وفقا لمصالحها على حساب شعوب المنطقة ودولها .
ومع هذا فإن السيناريوهات المستقبلية ليست واحدة.
فالسيناريو الأول هو سيناريو الاستقطاب الجديد حيث يتحول اتفاق مكة إلى كتلة دفاعية في مواجهة إيران وترد طهران بتعزيز تحالفاتها مع دول أخرى فتعود المنطقة إلى سباق نفوذ جديد و هذا السيناريو ممكن خصوصا إذا استمرت الهجمات الإقليمية وتراجع الحوار السياسي.
اما السيناريو الثاني و هو التوازن المسلح حيث تحتفظ السعودية وتركيا وباكستان بمنظومتها الدفاعية بينما تحافظ إيران على قدراتها ونفوذها و الجميع يتجنب الحرب المباشرة و هذا السيناريو قد يحقق استقرارا نسبيا لكنه لا يؤسس تكاملا استراتيجيا.
وفي هذين يعاد تشكيل منطقة الشرق الأوسط من خلال القوى الخارجية والاقليمية التي تريد السيطرة على ثروات الشعب من خلال منطق التفكيك والصراع المستمر بين دول العالم العربي وبعضه والإسلامية وبعضها.
أما السيناريو الثالث وهو الأكثر أهمية فهو التسوية الأمنية الإقليمية و هنا تستخدم السعودية قوتها الاقتصادية وتركيا قدرتها الدبلوماسية والعسكرية وباكستان وزنها الإسلامي وعلاقاتها مع الأطراف وإيران موقعها الجغرافي ومواردها لتشكيل منظومة أمنية واقتصادية جديدة تجعل علاقاتها مع القوى الخارجية مبني على سيادة إسلامية وليست سيادات قطرية منفصلة إذ إن تاريخ الدول القومية أثبتت عبر تاريخها فقدانها السيادة وعجزها الاستراتيجي عن أتخاذ اي قرارات سيادية مما جعل قراراتها متكيفة مع إرادة القوى العالمية المهيمنة .
وهذا السيناريو هو الذي يمكن أن ينقل المنطقة من إدارة الصراع إلى إدارة المصالح.
أما السيناريو الرابع فهو التكامل الاستراتيجي التدريجي وهو الأكثر طموحا والأكثر صعوبة و في هذا النموذج تتحول العلاقات السعودية الإيرانية من
مبدأ عدم تصعيد إلى شراكة في بعض الملفات وخصوصا ملف اليمن ولبنان وغزة وسوريا ومن ثم تنضم تركيا وباكستان ومصر والعراق إلى منظومة متعددة المستويات ثم تتحول حماية الممرات البحرية والطاقة إلى مصلحة مشتركة ثم تصبح التجارة والاستثمار أداة لمنع العودة إلى الحرب.
وهذا السيناريو لن يلغي التنافس البناء وهذا أمر يجب الاعتراف به بوضوح.
فالسعودية وإيران وتركيا ستظل بينها اختلافات عميقة وستظل لكل دولة أجندتها الوطنية ومصالحها ونقاط قوتها و لكن الهدف الواقعي ليس إلغاء التنافس وانما تحويل التنافس من تنافس على النفوذ إلى تنافس داخل قواعد مشتركة لا تؤدي الى الاضرار ببنية الأمن من جنيع جوانبه وهنا تكمن الفكرة المركزية للمستقبل.
إم الشرق الأوسط لن يصبح مستقرا عندما تتفق جميع دوله على كل شيء فهذا غير ممكن. ومن قم سيصبح مستقرا عندما تصبح تكلفة خرق قواعد النظام الإقليمي أعلى من تكلفة الالتزام بها.
وهذا هو معنى التكامل الاستراتيجي.
إن التقارب السعودي الإيراني يمكن أن يكون نقطة البداية و لكنه لن يصبح تاريخيا إلا إذا خرج من إطار العلاقات الثنائية. إن تركيا وباكستان يمكن أن تكونا جسرا مهما ولكنهما لن ينجحا إذا تحولتا إلى طرف في محور جديد.
واتفاق مكة يمكن أن يشكل نواة ردع إقليمية و لكنه سيصبح أكثر قيمة إذا تطور من منظومة دفاعية مغلقة إلى منصة أمنية مفتوحة.
وبذلك يمكن أن تتحول الأزمة الحالية إلى فرصة استراتيجية.
فالممرات البحرية التي أثبتت تقلبها يمكن أن تصبح أساسا لتعاون إقليمي لحمايتها.
وأزمات الطاقة يمكن أن تدفع إلى بناء شبكات إقليمية أكثر تنوعا والتنافس السعودي الإيراني يمكن أن يتحول إلى توازن مصالح والاعتماد على القوى الخارجية يمكن أن يتحول إلى شراكات متعددة لا إلى تبعية تعسكر الكنطقة لمصالحها وبحسب اجندتها.
كما ان التهديدات المشتركة يمكن أن تدفع الدول إلى اكتشاف أن الأمن لم يعد سلعة تستورد من الخارج وإنما بنية يجب أن تنتجها المنطقة بنفسها.
فهل تستطيع دول المنطقة أن تنتقل من البحث عن حليف يحميها إلى بناء منظومة تجعلها قادرة على حماية نفسها؟
فإذا حدث ذلك فإن التقارب السعودي الإيراني لن يكون فقط للفصل والحكم في تاريخ العلاقات الخليجية الإيرانية وإنما قد يصبح نقطة التحول من شرق أوسط يقوم على إدارة الأزمات إلى شرق أوسط يمتلك استراتيجية ذاتية للخروج منها
ومن نظام أمني مفروض أو محكوم بالخارج إلى نظام أمني إقليمي مستقل ومن اقتصاديات متنافسة إلى شبكة متكاملة مع بعضها ومن الأمن القومي المنعزل إلى الأمن الإقليمي المشترك.
وعندها فقط يصبح الحديث عن التقارب العربي الإسلامي حقيقيا وليس شعارا سياسيا و مشروعا لإعادة بناء المنطقة على قاعدة جديدة قوامها الأمن الذاتي والتكامل الاقتصادي و الوساطة الإقليمية وإدارة التنافس داخل منظومة مشتركة للمصالح وليس عبر إدارة الخارج .
إن الشرق الأوسط أمام فرصة تاريخية و لكنها ليست مضمونة. فإما أن تولد أزماته مزيدا من المحاور والحروب بالوكالة وإما أن تدفعه الصراعات وتكاليفها إلى بناء نظام جديد.
والفرق بين المسارين لن تحدده قوة السلاح وحدها وإنما قدرة القوى الإقليمية على إدراك أن المرحلة المقبلة لا تسمح لأي دولة بأن تكون جزيرة أمنية مستقلة عن محيطها.
إن المستقبل، في جوهره لن يكون لمن يملك أكبر قوة منفردة وإنما سيكون لمن يستطيع بناء شبكة مصالح واعيه وواسعة منا يصعب على الجميع التضحية بها.
إن الانتصار بالقوة العسكرية أو بالتحالف الخارجي أو ببناء محاور وميليشيات وولاءات داخل الجغرافيا لن يخدم المنطقة مستقبلا ولن يتحقق الاستقرار التي يعد اساسا لبناء حضارة تتجاوز الثلاثة قرون حيث أن أقل الحضارات عمرا هي ما أشرنا اليه بالثلاثة ولكنها قد تستمر قرنين إضافين ولن يتحقق ذلك في ظل دول إسلامية مفككة تعتمد الوطننة أو الوطنية أداة لبقائها فالحضارة تقوم على ثلاث صور أقلها قيمة هو الاعتماد المتكامل واعلمها قيمة فيدرالية المركز الواحد أو دول تتوسع عضويا لخلق حضارة تتناسب فلسفتها بجغرافيتها.