ثمة لحظات في حياة الشعوب لا يكون فيها الصمت حكمة، ولا الوقوف في المنتصف حيادًا، ولا الانشغال بالخلافات الصغيرة مجرد اختلاف في الرأي؛ بل قد يصبح كل ذلك مشاركةً، ولو من غير قصد، في صناعة خسارة كبرى.
وحضرموت اليوم تقف أمام لحظة من هذه اللحظات.
السؤال الذي يجب أن يُطرح بصوت مرتفع، وبقلب يخاف على هذه الأرض قبل أن يخاف على موقعه فيها:
أين عقلاء حضرموت؟
أين حكماؤها؟
أين الذين إذا اشتد الخلاف جمعوا الناس، وإذا ارتفعت الأصوات أعادوا البوصلة إلى اتجاهها الصحيح؟
لقد بدأ النقاش الحضرمي ينحرف من سؤال المصير إلى صراع المكونات، ومن البحث عن مستقبل حضرموت إلى البحث عمّن يتصدر المشهد، ومن حماية البيت الحضرمي إلى التنافس على من يملك مفتاح بابه.
وهنا يكمن الخطر.
فالأوطان لا تضيع دائمًا عندما يهجم عليها أعداؤها؛ أحيانًا تضيع عندما يختلف أبناؤها على تفاصيل البيت حتى ينسوا أن البيت نفسه يتعرض للخطر.
حضرموت ليست غنيمة
حضرموت أكبر من أن تكون ورقة في يد حزب، أو سلّمًا لطموح شخص، أو ساحةً لتصفية الحسابات، أو جائزةً يتنافس عليها هذا المكون وذاك.
حضرموت ليست ملكًا لجيلنا وحده.
إنها أمانة تسلمناها من آبائنا وأجدادنا، وسنسلمها يومًا إلى أبنائنا وأحفادنا.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:
من سينتصر اليوم؟
بل:
ماذا سيبقى من حضرموت غدًا إذا انتصر بعضنا على بعض؟
ما قيمة أن يربح مكون سياسي جولةً ويخسر الحضارم وحدتهم؟
وما قيمة أن يحقق شخص موقعًا أو نفوذًا إذا كان الثمن شرخًا في المجتمع الحضرمي يصعب على الأجيال القادمة إصلاحه؟
إن أخطر الانتصارات هي تلك التي يكتشف أصحابها متأخرين أنهم انتصروا فوق أنقاض بيتهم.
لا تجعلوا اختلافكم بابًا يدخل منه الآخرون
لقد عرفت السياسة، في كل زمان ومكان، قاعدة قديمة لا تتغير:
حين يعجز الآخر عن السيطرة على مجتمع متماسك، يحاول أولًا تفكيكه من الداخل.
يصنع خلافًا، ويغذي خلافًا آخر، ويضخم الخصومات، ثم يجعل كل طرف يعتقد أن خصمه الحقيقي هو أخوه الذي يختلف معه، بينما تتقدم المشاريع الأخرى بهدوء بين الشقوق.
وهنا يجب أن ينتبه الحضارم.
ليس كل خلاف عفويًا.
وليس كل استقطاب بريئًا.
وليس كل من يرفع شعار الدفاع عن حضرموت يريد بالضرورة أن تكون حضرموت هي صاحبة القرار.
لذلك لا تسمحوا لأحد أن يحول اختلافكم السياسي إلى عداوة اجتماعية.
اختلفوا في الوسائل، ناقشوا المشاريع، انتقدوا القيادات، تنافسوا في الرؤى؛ لكن ضعوا خطًا أحمر لا يتجاوزه أحد:
وحدة المجتمع الحضرمي، وحق حضرموت في أن تكون مصلحتها فوق مصالح الجميع.
إلى كل المكونات الحضرمية
لا أطلب من أحد أن يتنازل عن رأيه.
ولا أن يلغي تاريخه.
ولا أن يذوب في الآخر.
المطلوب أبسط من ذلك وأعظم:
أن نتفق على حضرموت قبل أن نختلف على ما دونها.
أن تجلس المكونات الحضرمية إلى طاولة واحدة لا لتقسيم النفوذ، وإنما لحماية المصير.
نحتاج إلى ميثاق حضرمي واضح يقول:
نختلف، ولكننا لا نكسر بعضنا.
نتنافس، ولكننا لا نستقوي على بعضنا.
نتحاور، ولكننا لا نسمح بتحويل حضرموت إلى ساحة صراع بين مشاريع لا تعنيها مصلحة الإنسان الحضرمي.
فلا توجد جماعة أكبر من حضرموت.
ولا شيخ أكبر من حضرموت.
ولا حزب أكبر من حضرموت.
ولا قائد أكبر من حضرموت.
ولا مصلحة تستحق أن نحرق من أجلها مستقبل أبنائنا.
وأين العقلاء؟
هنا أعود إلى السؤال المؤلم:
أين عقلاء حضرموت؟
أين العلماء والشيوخ والأكاديميون والمثقفون ورجال الأعمال والوجهاء والشباب الذين لا تحركهم الحسابات الضيقة؟
هذه ليست ساعة المتفرجين.
وليست ساعة المجاملات.
وليست ساعة انتظار من ينتصر حتى نقف إلى جواره.
هذه ساعة أن يقول العاقل للمخطئ: أخطأت.
وللمتعصب: كفى.
وللطامع: حضرموت ليست غنيمة.
وللمختلفين: اجلسوا قبل أن يصبح الجلوس بعد ذلك بلا جدوى.
الحكمة اليوم ليست أن تبقى صامتًا حتى لا تخسر أحدًا.
الحكمة أن تتكلم حتى لا نخسر حضرموت.
رسالة إلى المخلصين لها
إلى كل حضرمي يحمل حضرموت في قلبه، سواء كان في الوادي أو الساحل أو الهضبة أو الصحراء، أو كان من حضارم المهجر المنتشرين في أصقاع الأرض:
لا تسمحوا للسياسة أن تجعل الأخ غريبًا عن أخيه.
ولا تجعلوا اختلاف الرايات يمحو وحدة الأرض والإنسان والذاكرة.
ولا تورثوا أبناءكم خصومات لم يصنعوها.
فالسياسيون يتغيرون.
والتحالفات تتبدل.
والمكونات تظهر وتختفي.
والشعارات تولد ثم تموت.
لكن حضرموت باقية.
وحين تنتهي ضوضاء هذه المرحلة، لن يسأل التاريخ من كان أكثر صراخًا، وإنما سيسأل:
من حافظ على حضرموت عندما كانت بحاجة إلى رجالها؟
من جمع ولم يفرق؟
من تنازل عن جزء من طموحه كي يحمي مستقبل وطنه؟
ومن أشعل النار ثم وقف بعيدًا عنها؟
التاريخ يكتب الآن
لا تتصوروا أن ما يحدث اليوم سيمر وينسى.
كل موقف يُكتب.
كل كلمة تُحفظ.
كل تحريض سيبقى.
وكل موقف حكيم سيبقى كذلك.
وسيأتي يوم يجلس فيه أبناؤنا وأحفادنا ليقرأوا هذه المرحلة، وسيعرفون من قدم حضرموت على نفسه، ومن قدم نفسه على حضرموت.
وسيكون السؤال قاسيًا:
عندما كانت حضرموت أمام مفترق الطرق… ماذا فعلتم؟
هل جمعتم أبناءها؟
أم قسمتموهم؟
هل حميتم نسيجها؟
أم مزقتموه؟
هل أطفأتم النار؟
أم حمل كل واحد منكم حزمة حطب وألقاها فيها؟
عندها لن تنفع الخطب، ولن تصلح الأعذار ما أفسدته القرارات.
حضرموت أولًا… وإلا خسرنا جميعًا
ما زالت الفرصة موجودة.
وما زال في حضرموت من الحكمة والعقل والرجال ما يكفي لتجاوز هذه المرحلة.
لكن المطلوب شجاعة من نوع آخر؛ ليست شجاعة رفع الصوت، بل شجاعة التنازل لحضرموت.
أن يخطو الجميع خطوة إلى الخلف، كي تتقدم حضرموت عشر خطوات إلى الأمام.
أن نعيد ترتيب الأولويات:
حضرموت قبل الأشخاص.
حضرموت قبل المكونات.
حضرموت قبل الأحزاب.
حضرموت قبل المناصب.
حضرموت قبل الحسابات الصغيرة.
لأننا إن خسرنا موقعًا سياسيًا نستطيع استعادته.
وإن خسرنا منصبًا يمكن أن يأتي غيره.
وإن خسرنا جولة يمكن أن نعوضها.
أما إذا خسرنا وحدة حضرموت ونسيجها الاجتماعي، فقد نحتاج أجيالًا كاملة لإصلاح ما أفسدناه في أيام.
فيا عقلاء حضرموت…
تقدموا قبل أن يتقدم المتعصبون.
ويا حكماءها…
تكلموا قبل أن يصبح صوت الفتنة أعلى من صوت الحكمة.
ويا مخلصي حضرموت…
اجتمعوا قبل أن يجتمع الآخرون على تقرير مصيركم بالنيابة عنكم.
واجعلوا أمام أعينكم كلمة واحدة لا تتبدل مهما تبدلت الظروف:
حضرموت أولًا… وحضرموت أخيرًا.
فالتاريخ لا يرحم من فرّط في أرضه،
والأجيال القادمة قد تغفر لنا ضعفنا، لكنها لن تغفر لنا أن نكون قد عرفنا الخطر… ثم تركنا حضرموت تسير إليه ونحن نتخاصم.