آخر تحديث :السبت-22 أغسطس 2026-01:13ص

صيف عدن الملتهب-جوع صنعاء القاتل: حكومتان وجهاً لعملة واحدة

الجمعة - 21 أغسطس 2026 - الساعة 10:50 م
عوض عميران


في قلب الصيف العدني الملتهب، حيث يلتقي اختناق الرطوبة بقسوة الظلام، تصبح كل الوعود وشعارات "الإصلاح" التي تطلقها الحكومة مجرد طنين لا يسمن ولا يغني من جوع. إن أعتى أشكال الفشل الإداري والسياسي ليس فقط العجز عن تقديم الخدمات الأساسية، بل القصور التام عن استشعار قسوة الواقع على الإنسان البسيط، الذي بات يتحمل وحدَه كلفة شلل الدولة وتفكك مؤسساتها.

إن الخمول الحكومي الواضح في الاضطلاع بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية تجاه المواطن المطحون، يحول الجغرافيا تدريجياً إلى بيئة طاردة لأي شرعية تدافع عن وجودها؛ إذ كيف لإدارة أن تدعي تمثيل إرادة الناس وهي تعزل نفسها عن أنينهم اليومي؟

التماهي المؤسف: عدن وصنعاء في كفة واحدة

إن المفارقة الأكثر إيلاماً اليوم هي حالة "التناظر الفاسد" بين حكومة عدن وسلطة الأمر الواقع في صنعاء. لقد غدت القواسم المشتركة بين النماذج الحاكمة أكثر من أن تُخطئها العين:

فشل الرواتب والأزمات الممتدة: بعد أن كان العجز عن صرف مرتبات الموظفين وصمة تلاحق سلطة صنعاء، التحقت حكومة عدن بالركاب لتكرس الفشل ذاته وتترك الأسر بلا دخل يقيهم ذل الحاجة.

ابتكار الجبايات المنهكة: بدلاً من تقديم خدمات ملموسة، أصبحت عدن تنافس صنعاء في ابتكار مبررات لا تنتهي لفرض مزيد من الجبايات والرسوم غير القانونية.

إثقال كاهل الاقتصاد المحلي: تأتي القرارات الأخيرة القاضية برفع تعرفة الكهرباء (لتصل إلى نحو 400 ريال للكيلووات في القطاعات الحيوية) كضربة قاضية؛ إذ لن تؤدي هذه الزيادات إلا إلى رفع القيمة الإجمالية للسلع والخدمات الأساسية، لينتهي المطاف بالفاتورة كاملة في جيب المواطن المعدم.

الاستثمار في المعاناة وطبول الحروب

كيف يُطالب المواطن بالحفاظ على صبره وتماسكه، بينما يرى أن جوهر التنمية تحول إلى حبر على ورق، وأن مؤسسات الدولة غدت متجراً يستثمر في معاناة الشعب لصالح رفاهية حفنة من المسؤولين وتجار الأزمات؟

إن المعاناة اليومية الناجمة عن الانقطاع الكلي للكهرباء والغلاء الفاحش لا تترك مساحة للأمل. وفي خضم هذا الظلام الدامس، تخرج بين الحين والآخر خطابات التصعيد العسكري وطبول المواجهة، والتي بات الشارع يتعامل معها بوعي كامل؛ فهو يعلم أنها معارك لا تمثله ولا تخفف من وطأة عيشه، بل هي مجرد مواسم جديدة لثراء "تجار الحروب" الذين يقتاتون على دماء وأوجاع الوطن والشعب المقهور.

الرهان الغائب: ميلاد المشروع الوطني الخالص

وسط هذه العتمة وهذا العبث السياسي المُدار بالوكالة، يتضح جلياً أن الرهان الحقيقي والوحيد للخروج من القاع لا يكمن في إعادة تدوير أطراف الصراع الحالية، بل في ميلاد طرف وطني جامع يحمل مشروعاً نابعاً من قلب المعاناة، لا تحركه سفارات الإقليم ولا يُدار كأداة مجانية في صراعات النفوذ.

إن الوطن اليوم في حاجة ماسة وأكيدة إلى مخلّص وطني يستمد قوته وقراره من:

الإيمان الصادق بالله، الذي يستشعر من خلاله خراب الوضع الراهن وضرورة التغيير.

عدالة القضية الوطنية والإخلاص للتخفيف عن المواطن.

التجرد التام من نتن العصبيات القبلية، والجغرافية، والمناطقية، والمذهبية الضيقة التي أحرقت الأخضر واليابس.

خلاصة القول: إن الشرعية الحقيقية لا تُستجدى من الخارج، ولا تُكتسب بالبيانات والخطابات الرنانة، بل بعمود كهرباء يعمل، وشربة ماء تروي ظمأ، ورغيف خبز يُستطاع شراؤه، وعدالة تُنصف الضعيف قبل القوي. ولأن دوام هذا الحال من المحال، يبقى التطلع إلى بزوغ فجر هذا المشروع الوطني الخالص هو الشعلة الأخيرة للأمل.. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾.