آخر تحديث :السبت-22 أغسطس 2026-01:13ص

بيوتٌ يحكمها القات

الجمعة - 21 أغسطس 2026 - الساعة 08:45 م
غادة الحسيني


لم يعد السؤال كم يأخذ القات من أموال الناس ووقتهم وصحتهم فهذه أسئلة قيلت كثيراً وكتبت عنها تقارير ودراسات وشكاوى لا تنتهي، بل أصبح السؤال الأكثر أهمية كم أخذ القات من علاقاتنا؟ كم أخذ من الأب حين جعل أبناءه ينتظرون مزاجه؟ وكم أخذ من الأم حين أصبح هدوؤها وابتسامتها مرتبطين بساعات التخزين؟ وكم أخذ من الزوج حين أصبحت زوجته تعرف أن بعض طلباتها لا ينبغي أن تُطرح إلا بعد أن تبدأ جلسة القات ويستقر مزاجه؟ هنا لا يعود القات مجرد عادة اجتماعية بل يصبح طرفاً ثالثاً داخل الأسرة، طرف لا يتحدث لكنه يؤثر في طريقة الحديث ولا يتخذ القرار لكنه يغير فرص الموافقة عليه.

في بعض البيوت يتعلم الأبناء منذ الصغر شيء لا ينبغي لطفل أن يتعلمه .. كيف يقرأ مزاج أبيه قبل أن يتحدث إليه، يعرف الطفل متى يطلب ومتى يصمت ومتى يقترب ومتى يؤجل طلبه، قد يكون يريد مالاً لشيء ضروري أو يريد أن يخبر والده بمشكلة أو يطلب منه خدمة بسيطة لكنه قبل أن ينطق يسأل نفسه: هل أبي مخزن اليوم؟ هل مزاجه جيد؟ هل هذا النوع من القات مفعوله قوي؟ هل الآن الوقت المناسب؟ أي مأساة أكبر من أن يتحول الأب في وعي طفله من مصدر دائم للأمان إلى شخص يجب انتظار الحالة المزاجية المناسبة للوصول إليه؟

الأمر نفسه يحدث أحياناً مع الأم إذا خزنت أصبح البيت أكثر هدوء واتسع صدرها للأبناء وضحكت وتحدثت معهم، وإذا لم تخزن أو كانت في حالة مزاجية سيئة يصبح كل شيء قابل للاشتعال، كلمة صغيرة تتحول إلى مشكلة وطلب عادي يصبح سبب للصراخ وخلاف بسيط يكبر لأن الأعصاب لا تحتمل، ومع تكرار المشهد يبدأ الأبناء في بناء معادلة خطيرة داخل ذاكرتهم .. الأم الهادئة هي الأم التي تخزن والأم العصبية هي التي لم تخزن وهكذا لا يتعلم الطفل أن المزاج الإنساني يتغير لأسباب كثيرة وطبيعية بل يتعلم أن هناك عشبة قادرة على صناعة النسخة التي يحبها من أمه وأبيه.

في الزواج تصبح الحكاية أكثر وجعاً .. الزوجة التي تعرف زوجها جيداً قد تعرف أيضاً التوقيت المناسب، تعرف أن الحديث عن المال أو شراء شيء للبيت أو مشكلة مع أحد الأبناء أو حتى فتح موضوع حساس من الأفضل أن يؤجل إلى جلسة التخزين، ليس لأن القضية ستتغير ولا لأن القرار سيصبح أكثر عقلانية وإنما لأن المزاج سيكون أكثر قابلية للقبول، وقد يجد الزوج نفسه يفعل الشيء ذاته مع زوجته تتحول الحياة الزوجية من شراكة تقوم على الحوار إلى إدارة مستمرة للمزاج .. متى نتحدث؟ متى نطلب؟ متى نناقش؟ متى نعاتب؟ ومتى نصمت حتى تنتهي الجلسة؟ وهنا تظهر المفارقة المؤلمة نحن لا نستخدم القات فقط لنقضي وقتاً بل بدأنا نستخدمه بشكل مباشر أو غير مباشر لإدارة علاقاتنا، أصبح البعض ينتظر القات حتى يصبح أكثر اجتماعية وأكثر مرحاً وأكثر تقبلاً للآخرين وكأن التواصل الطبيعي لم يعد كافياً وكأن الإنسان يحتاج إلى وسيط لكي يستطيع أن يكون النسخة الأكثر لطفاً من نفسه.

في السابق كنا نغضب عندما نرى قراراً مهماً مرهوناً بمجلس قات لكن ماذا عن ابن ينتظر حتى يخزن والده كي يطلب منه شيء؟ كنا ننتقد مسؤولاً لا يتخذ قراراً إلا في جلسة مقيل .. لكن ماذا عن زوجة تؤجل حديثاً مهماً حتى يصبح زوجها في مزاج التخزين؟ كنا نسخر من مسؤول لا يمكن الوصول إليه إلا في مجلس قات، ثم أصبح بعض الأطفال يعيشون التجربة نفسها داخل بيوتهم .. أب موجود جسدياً لكنه غير متاح عاطفياً إلا في توقيت محدد.

المشكلة هنا ليست في نوع القات ولا في قوة مفعوله ولا في أن نوع معين يجعل الشخص أكثر سعادة من غيره، المشكلة في الفكرة ذاتها أن تصبح مشاعرنا وعلاقاتنا رهينة مادة خارجية، أن يحتاج الأب إلى القات كي يكون هادئاً مع أبنائه وأن تحتاج الأم إلى التخزين كي تشعر بأنها أكثر قدرة على تحمل تفاصيل البيت وأن يحتاج الزوج إلى جلسة كي يصبح أكثر تسامح مع زوجته، فإذا كانت الأسرة لا تستطيع أن تستخرج أفضل ما في أفرادها إلا بعد التخزين فماذا يحدث للأيام التي لا يوجد فيها قات؟!

أصبح البيت وكأنه يعيش بنظامين .. بيت أثناء التخزين وبيت بعده في الأول ضحك وحديث وكرم وربما حنان زائد وفي الثاني عصبية وصمت وشجارات وتأجيل للطلبات، ويبدأ أفراد الأسرة في التكيف مع هذا الواقع بدل مواجهته، يتعلم الأبناء الصمت في الساعات الخطأ والزوجة تأجيل النقاش والزوج الانسحاب من الحديث والجميع ينتظرون أن تأتي لحظة تحسن المزاج، وبدل أن نتعلم كيف ندير غضبنا نتعلم كيف ننتظر القات حتى يختفي الغضب، والأخطر من ذلك أن الأطفال يراقبون كل شيء الطفل لا ينسى أن أباه كان لطيف عندما كان مخزن ولا ينسى أنه كان قاسي عندما لم يكن كذلك، لا ينسى أن أمه ضحكت معه وهي في جلسة القات ثم صرخت في وجهه في اليوم التالي، هذه التفاصيل الصغيرة تتراكم داخل الطفل وتعيد تشكيل فهمه للحب والأمان قد يكبر وهو يعتقد أن عليك أن تنتظر المزاج المناسب حتى تطلب الحب، وأن عليك أن تراقب وجه الآخر قبل أن تتحدث وأن العلاقات ليست مساحة آمنة دائماً بل مساحة يجب أن تعرف كيف تتحرك داخلها دون أن تستفز مزاج صاحبها.

ليس كل بيت يتعاطى القات يعيش هذه الصورة وليس كل شخص يخزن يتحول إلى أب سيئ أو زوج سيئ أو أم سيئة، لكن الخطورة تكمن في الثقافة التي تجعل هذا السلوك عادياً وفي المجتمع الذي يتعامل مع تغير المزاج بسبب القات وكأنه أمر لا يستحق السؤال، حين تصبح العصبية بعد غياب القات شيئاً طبيعياً والسعادة بعد التخزين شيئاً مفهوماً، فنحن لا نواجه عادة فردية فقط بل نواجه نمط اجتماعي يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وأسرته وفقاً لمادة يتعاطاها.

لقد أخذ القات من اليمنيين الكثير .. المال الوقت التركيز وفرصاً اقتصادية واجتماعية لا تحصى، لكن الخسارة الأكثر قسوة هي أن يأخذ منهم قدرتهم على أن يكونوا آباء وأمهات وأزواج بصورة طبيعية، أن يصبح الحنان موسمياً والضحك مرتبط بالتخزين والقبول مرتبط بالمزاج والحديث مؤجل حتى تتحسن الحالة، أي بيت هذا الذي يحتاج فيه الطفل إلى أن يسأل نفسه قبل أن يقترب من أبيه .. هل خزن؟ وأي زواج هذا الذي تضطر فيه الزوجة إلى حساب كمية القات في فم زوجها قبل أن تحسب قدرتها على الحديث معه؟ وأي أمومة وأبوة هذه التي يصبح فيها الهدوء مكافأة تأتي مع الجلسة، بينما العصبية هي الحالة الأصلية خارجها؟

الأشد حزناً أن القات قد لا يكتفي بأن يجعل الإنسان ينفق عليه قد يجعله ينفق من أعصاب أبنائه ومن صبر زوجته ومن طفولة أطفاله ومن سنوات زواجه وقد لا يدرك الإنسان ما يخسره لأنه لا يرى فاتورة لذلك، لا أحد يأتي في نهاية الشهر ليقول له لقد دفعت اليوم من علاقتك بابنك ودفعت أمس من ثقة ابنتك بك ودفعت قبل ذلك من قرب زوجتك منك، وهنا تصبح القضية أكبر من ورقة قات إنها قضية بيت بدأ يفقد قدرته على أن يكون بيتاً من دون هذه الشجرة الخبيثة، وأقسى ما يمكن أن نصل إليه أن يكبر الطفل وهو لا يتذكر أباه كما كان بل كما كان بعد التخزين، أن تتذكر الزوجة سنوات زواجها وهي تقيس أيامها بين جلسة وأخرى وأن تصبح أجمل لحظات الأسرة مرتبطة بعشبة لا بأشخاصها، عندها لا يكون القات قد سرق ساعات من اليوم فقط .. يكون قد سرق شيئاً لا يمكن استعادته بسهولة أباً كان يمكن أن يكون حاضراً وأماً كان يمكن أن تكون أكثر احتواءً، وزوجين كان يمكن أن يتحدثا بلا وسيط وطفولة كان يجب ألا تتعلم فيها كيف تنتظر مزاج الكبار.

ربما أخطر ما فعله القات بنا أنه لم يعد محصور في المجالس فقط .. لقد أصبح الطرف الثالث بين الأب وابنه وبين الزوج وزوجته وبين الأم وأطفالها، وحين تصبح ورقة قات هي الطريق الأقصر إلى رضا الأب وهدوء الأم وحنان الزوج فالمشكلة لم تعد في الورقة التي نمضغها بل في الحياة التي بدأنا نفقدها ونحن نمضغها.