ثمة تحولات لا تبدو واضحة ، أو ذات قيمة ، في بداياتها ، لكنها حين تتراكم تصبح كافية لتغيير معادلات القوة.
ولعل ما تشهده الساحة اليمنية اليوم أحد هذه التحولات ؛ إذ يبدو أن «توازن الضعف» الذي أفرزته السنوات الماضية بدأ يتحول تدريجيًا إلى فرصة حقيقية أمام الدولة لاستعادة المبادرة والتفوق على المليشيات الحوثية في الميدان العسكري.
حتى وقت قريب، نجحت المليشيات الحوثية في صناعة صورة مضخمة عن قوتها العسكرية، مستفيدة من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية التي كانت تطلقها بين حين وآخر، وفي اتجاهات متعددة ، كلما شعرت بأن الأرض بدأت تهتز تحت أقدامها، أو أن المجتمع من حولها بدأ يستعيد وعيه بحقيقة ما جلبته عليه من فقر وفوضى وقهر وانهيار، وما تحاول فرضه عليه من عودة قسرية إلى ظلام الإمامة.
كان ذلك بمثابة استعراض للقوة أكثر منه تعبيرًا عن قوة حقيقية . فالصاروخ قد يصنع ضجيجًا، والطائرة المسيّرة قد تحدث دمارًا، لكن القوة العسكرية لا تُقاس بعدد الصواريخ ولا بقدرة جماعة مسلحة على إطلاقها، وإنما بقدرتها على الاستمرار، وإدارة الموارد، وإنتاج القوة التي تحمي المجتمع ، وحماية خطوطها، وتعويض خسائرها، وربط أدائها العسكري بمشروع سياسي واجتماعي قادر على البقاء .
وهنا تكمن المفارقة الأساسية .
فبينما الدولة كيان يستند إلى مؤسسات وموارد ومجتمع وقانون ومصالح عامة. للدولة أركانها، ولها القدرة على تطوير أدواتها، وإعادة تنظيم مؤسساتها، والاستفادة من التحولات، واستيعاب الأخطاء، وبناء القوة بصورة تراكمية. فإن الجماعات المليشياوية مهما امتلكت من السلاح فإنها كيان طارئ ، تظل أسيرة طبيعتها وبنيتها المغلقة على مصالح منتسبيها ؛ تتوسع بالقوة، وتحافظ على وجودها بالقوة ، وتستهلك المجتمع بالقوة، حتى تصل في لحظة ما إلى النقطة التي تبدأ فيها مصالحها الخاصة بالتصادم مع مصالح المجتمع الذي تحكمه.
وهذا التصادم هو الذي يصنع بداية التراجع.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة امتلاك المستقبل . فقد تستطيع المليشيا فرض الأمر الواقع لفترة، لكنها لا تستطيع إلى ما لا نهاية أن تعوض غياب الدولة، أو أن توفر للناس حياة طبيعية ، أو أن تدير اقتصادًا منهكًا، أو أن تقدم خدمات، أو أن تمنح المجتمع شعورًا بالأمن والاستقرار .
ومع مرور الوقت ، يتحول السلاح الذي استخدمته المليشيا لإخضاع المجتمع إلى قوة غاشمة لا تنتج سوى العنف والبطش ولا سواهما ، وتأخذ الفجوة مع المجتمع ومع الواقع في الاتساع . ويكون ذلك إيذانًا بتغيير معادلة القوة ..
وفي هذه المساحة تتوالد العناصر الاساسية والحاسمة التي تسرِّع تغيير معادلة القوة .
ما شهدناه في المواجهات العسكرية الأخيرة ليس مجرد أحداث ميدانية منفصلة، بل يمكن قراءته باعتباره مؤشرًا على تحول تدريجي في ميزان القوة . فبينما تتطور قدرات الدولة، وتتراكم خبرتها العسكرية، وتتحسن أدواتها وإمكاناتها، تبدو المليشيات أكثر اعتمادًا على أدوات خارجية لتعويض ما يتآكل من قدرتها الذاتية .
وهذه نقطة جوهرية: حين تحتاج المليشيا باستمرار إلى الخارج لكي تحافظ على صورتها كقوة، بينما تستطيع الدولة أن تبني قوتها من داخل مؤسساتها ، فإن الزمن يبدأ بالعمل لصالح الدولة.
ولذلك فإن المعركة الحقيقية لم تعد فقط معركة صاروخ ضد صاروخ، أو طائرة مسيّرة ضد طائرة مسيّرة؛ إنها معركة بين مشروعين :
مشروع دولة، بكل ما تعنيه الدولة من مؤسسات ومصالح عامة وفردية ومستقبل، ومشروع مليشيا يقوم على القوة المجردة وإعادة تشكيل المجتمع وفق رؤيتها الخاصة.
وفي مثل هذه المعارك قد يبدو التفوق للمليشيا في لحظة معينة، لكن التفوق المستدام لا يُقاس بلحظة؛ بل بقدرة الطرف على الاستمرار وإعادة إنتاج قوته.
ومن هنا تأتي أهمية التحول الذي نشهده اليوم.
فإذا كانت المليشيات قد استطاعت في مرحلة سابقة أن تستفيد من ضعف الدولة لتفرض نفسها كأمر واقع، فإن ضعف المليشيا نفسها قد أصبح اليوم عاملًا يمكن للدولة أن تستثمره لاستعادة المبادرة.
وهذا هو معنى «توازن الضعف»: ليس لأن الدولة أصبحت قوية والمليشيا أصبحت ضعيفة بصورة مطلقة ، وإنما لأن الفارق بين الطرفين بدأ يتحرك في الاتجاه الصحيح؛ الدولة تتقدم، والمليشيا تتراجع، وما كان بالأمس يبدو تفوقًا حوثيًا بدأ يظهر على حقيقته باعتباره تفوقًا ظرفيًا أخذ في التآكل .
المطلوب الآن ألا تُهدر هذه اللحظة.
فالتاريخ العسكري والسياسي لا يمنح الفرص كثيرًا، واللحظة التي تبدأ فيها معادلة القوة بالتحول يجب أن تتحول إلى استراتيجية متكاملة: تطوير القدرات العسكرية، توحيد القرار، تعزيز مؤسسات الدولة، استعادة ثقة المجتمع، وتحويل التقدم الميداني إلى مسار سياسي يعيد بناء الدولة ويُنهي وضع المليشيا كبديل عنها.
لقد أثبتت الأيام أن المليشيا ليست قدرًا أبديًا، وأن ما يبدو أحيانًا قوة صلبة قد يكون في جوهره تراكمًا لهشاشة مؤجلة.
واليوم، ربما تكون أهم حقيقة ينبغي إدراكها هي أن الحوثيين لم يعودوا يواجهون دولة منهكة كما كانوا يعتقدون، وأن الدولة، إذا أحسنت قراءة اللحظة واستثمارها، تستطيع أن تنتقل من موقع الدفاع عن وجودها إلى موقع استعادة وجودها وفرض تفوقها.
فحين يبدأ الضعف بالتوزع بين طرفين، لا تكون النتيجة بالضرورة تعادلًا دائمًا؛ أحيانًا يكون «توازن الضعف» هو اللحظة التي يبدأ فيها أحد الطرفين باستعادة قوته، بينما يبدأ الآخر بفقدانها.
وهذه، في جوهرها، هي الفرصة التي تقف أمام الدولة اليمنية اليوم.