ليس كل من وقف أمام السبورة معلماً، وليس كل من أمضى سنوات في المدرسة ترك أثراً في نفوس تلاميذه. بعض المعلمين تنتهي حصصهم بانتهاء الجرس، وبعضهم يبقى في الذاكرة حتى بعد أن يغيب الجسد، لأنهم لم يكونوا يعلّموننا الدروس فحسب، بل كانوا يصنعون فينا شيئاً من الإنسان الذي سنصبحه ذات يوم.
اليوم، ونحن نتلقى نبأ رحيل أستاذنا القدير عبدالله بن عبدالله لهدان، تعود بي الذاكرة سنوات طويلة إلى الوراء، إلى زمن كانت فيه الحياة أكثر بساطة، وكانت المدرسة رحلةً شاقة لا تنفصل عن تفاصيل الحياة اليومية.
تتلمذت على يديه في زمن كانت فيه وسيلة المواصلات من مدينة العلياء إلى مدرسة قرين أن يمتطي الأستاذ عبدالله بن عبدالله لهدان حماره، الذي كان يربطه بسارية العلم في ساحة المدرسة.
وما زالت تلك السارية حاضرة في ذاكرتي، وما زالت أصواتنا الصغيرة تتردد حولها كل صباح ونحن ننشد:
«رددي أيتها الدنيا نشيدي
ردديه وأعيدي وأعيدي»
ثم نصل، ببراءة الأطفال وصدقهم، إلى:
«لن ترى الدنيا على أرضي وصيا»
كنا نرددها دون أن ندرك ربما المعاني الكبيرة التي تحملها تلك الكلمات. كنا أطفالاً نؤمن بما ننشد، ونؤدي طقوس الصباح المدرسي بقلوب صافية، وكان أستاذنا عبدالله يقف بيننا معلماً ومربياً، يحمل رسالة أكبر بكثير من إمكانات ذلك الزمن.
ومن أجمل التفاصيل التي لا يمكن للذاكرة أن تنساها أننا كنا نُكلَّف من إدارة المدرسة بإحضار كمية من العلف لإطعام حمار الأستاذ عبدالله!
قد تبدو هذه الحكاية اليوم طريفة، لكنها بالنسبة لنا ليست مجرد ذكرى عابرة؛ إنها صورة كاملة عن زمن التعليم الذي عرفناه: معلم يأتي من بعيد، وطلاب يأتون سيراً، ومدرسة بإمكانات متواضعة، لكن فيها رجال كانوا يؤمنون بأن التعليم رسالة، وأن بناء الإنسان أهم من كل شيء.
لقد كان الأستاذ عبدالله بن عبدالله لهدان واحداً من أولئك الرجال الذين لم تكن عظمتهم مرتبطة بما يملكون من وسائل، وإنما بما يتركونه في نفوس تلاميذهم.
رحل الأستاذ، لكن المعلم لم يرحل.
فالإنسان قد يغيب عن أعيننا، لكنه يظل حاضراً في عقول الذين تعلموا على يديه. وربما لا يتذكر التلميذ كل درس تلقاه، ولا كل كلمة قالها المعلم، لكنه يتذكر دائماً وجه ذلك الرجل الذي فتح له باب المعرفة في زمن لم تكن فيه الأبواب كثيرة.
يا أستاذنا عبدالله،
نم هنيئاً في مرقدك الجديد.
لقد تركت وراءك تلاميذ كبروا، وشقوا طريقهم في الحياة، لكنهم حين سمعوا خبر رحيلك عادوا أطفالاً للحظات، إلى ساحة مدرسة قرين، وإلى سارية العلم، وإلى نشيد الصباح، وإلى ذلك الحمار الذي كان جزءاً من يوميات مدرستنا، وإلى معلمٍ كان بالنسبة لنا أكثر من مجرد أستاذ.
نعود اليوم إلى تلك الأيام فنكتشف أن أجمل ما فيها لم يكن المبنى، ولا الكتب، ولا الوسائل التعليمية؛ بل كان الإنسان الذي وقف أمامنا ليعلمنا.
رحم الله الأستاذ القدير عبدالله بن عبدالله لهدان، ورحم ذلك الجيل من المعلمين الذين حملوا رسالة التعليم في ظروف قاسية، ولم ينتظروا من الدنيا جزاءً ولا شكوراً.
رحمك الله يا أستاذنا.
والله إننا نحبك، لأننا تعلمنا على يديك.
وإن كان الموت قد أخذ جسدك، فإن أثرك باقٍ فينا، وفي كل كلمة علمتنا إياها، وفي كل تلميذ مرّ من بين يديك ثم مضى ليترك أثراً في هذه الحياة.
نم هنيئاً يا أستاذنا القدير، فقد أديت رسالتك، وبقي اسمك في ذاكرة تلاميذك ما بقي فيهم من حياة.