آخر تحديث :الأحد-20 سبتمبر 2026-11:23م

حرب الروايات: صراع الخليج وإسرائيل ومصر على صناعة الوعي الإقليمي

الجمعة - 21 أغسطس 2026 - الساعة 01:34 م
د. جمال الهاشمي


يعد الإعلام اليوم من أهم أدوات الاقتصاد والسياسة إن لم يكن أهمها على الإطلاق وهو ما جعل الدول تطور منهجيتها الإعلامية بطرق مختلفة حتى بات من الصعب جدا أن تؤثر كثير من الأدوات الإعلامية في ظل المنافسات الشرسة على العق الجمعي والفردي وحتى الذوق الاستهلاكي .

ومن هنا لم تعد الدول تتنافس على الإعلام كأحد مجالات الثقافة أو وسيلة لنقل الأخبار وإنما أصبحت تتعامل معه كأحد مكونات القوة الوطنية ومن أدواتها لإعادة تشكيل البيئة السياسية والاجتماعية التي تتحرك داخلها الدولة وخصومها وحلفاؤها.

ولهذا فإن الصراع الإعلامي في الشرق الأوسط لم يعد صراعا بين قنوات فضائية وإنما انتقل إلى صراع محتدم على من يمتلك القدرة على تحديد خلق القضايا أو دحضها و من الذي يحدد تفسيرها ومن يصنع النخب التي تتحدث عنها ومن يستطيع نقل روايته من الجمهور المحلي إلى دوائر القرار الدولي.

هذه النقلة تفسر جانبا مهما من التحولات التي تشهدها المنطقة من الخليج إلى إسرائيل ومصر. فالدول التي أدركت مبكرا أن القوة العسكرية والاقتصادية لا تكفي وحدها لصناعة النفوذ بدأت ببناء منظومات إعلامية تتجاوز الحدود الوطنية.

ومع مرور الوقت تحول الإعلام من وظيفة دفاعية تتمثل في تحسين صورة الدولة إلى وظيفة هجومية أكثر تعقيدا تقوم على صناعة الأجندة وتشكيل الإدراك وإعادة تعريف الصراع والتأثير في سلوك الخصوم والحلفاء.

إن التحول الأساسي هو الانتقال من مفهوم الإعلام الرسمي إلى مفهوم النظام الإعلامي الاستراتيجي.

ف الدولة لم تعد بحاجة أن توجه بصورة مباشرة وإنما يكفي أن تمتلك المؤسسات والمنصات والشبكات التي تحدد القضايا التي سيناقشها الناس والمصادر التي سيعودون إليها والخبراء الذين سيمنحون الأحداث معناها والقصص التي ستبقى في الذاكرة.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم التجربة الخليجية التي أدركت بدرجات مختلفة ن محدودية الوزن الديموغرافي والجغرافي يمكن تعويضه ببناء قوة نفوذ تتجاوز الحدود. .

وكانت قطر الأكثر وضوحا في هذا الاتجاه عندما جعلت من الجزيرة أداة لصناعة الأجندة العربية وليس قناة إخبارية فحسب و لقد تمكنت دولة صغيرة من أن تصبح حاضرة في الأزمات الكبرى لأن منصتها الإعلامية أصبحت في بعض اللحظات جزءا من الحدث نفسه. هذه هي القيمة الجيوسياسية الحقيقية للإعلام في أن يتحول من مراقب للأحداث إلى أحد الفاعلين فيها.

اما السعودية فقد تحركت في اتجاه مختلف. إذ انها لا تبني قوتها الإعلامية حول منصة إخبارية واحدة وإنما من خلال تشييد منظومة واسعة تجمع الأخبار والترفيه والإنتاج والرياضة والإعلان والمنصات الرقمية.

وهذا النموذج أكثر اتساعا من النموذج التقليدي لأنه لا يريد فقط التأثير في الموقف السياسي للجمهور وإنما يريد السيطرة على جزء من البيئة الثقافية التي يتشكل داخلها وعي الجمهور.

والإعلام بهذه الالية يصبح صناعة ونفوذا في الوقت نفسه.

أما الإمارات فقد اتجهت بصورة أكبر نحو بناء شبكات إعلامية مرتبطة برأس المال والاستثمار والعلاقات الدولية ولا تقاس قيمة هذه المنظومة بعدد المشاهدين وإنما بقدرتها على إنتاج خطابات قابلة للتداول بين الإعلام والسياسة ومراكز التفكير والشبكات الدولية.

إنها محاولة لبناء نفوذ لا يعتمد على الجمهور العربي وحده وإنما على الشبكات التي تنتج القرار والتصورات حول المنطقة.

وفي هذه النقطة تحديدا يظهر اختلاف التجربة المصرية ؛ فمصر لا تحتاج إلى شراء جمهور عربي جديد لأنها تمتلك منذ عقود رصيدا ثقافيا هائلا داخل المجال العربي في السينما والدراما والصحافة واللغة واللهجة والجامعة والأزهر والقاهرة السياسية وفد شكلت جميعها نوعا من رأس المال الثقافي الذي يصعب على أي دولة أخرى امتلاكه بالسرعة نفسها.

ولكن المشكلة المصرية تكمن في أن هذا الرصيد التاريخي لم يتحول بالقدر الكافي إلى منظومة نفوذ إعلامي دولية قادرة على منافسة النماذج الخليجية الجديدة في التكنولوجيا والتمويل والشبكات العابرة للحدود إذا كان توجهه هو إعادة صناعة الثقافة العربية من منطلق الرؤية المركزية لهذه الثقافة انطلاقا من احتضانها للمفكرين والمبدعين وحتى الفنانين وكذلك التعليم والإعلام الديني .

أما إسرائيل فتتحرك بمنطق آخر أكثر تعقيدا، فهي لا تحتاج إلى منافسة الإعلام العربي في عدد المشاهدين حتى تحقق أهدافها. فالأولوية بالنسبة إليها هو التأثير في البيئة التي تنتج الرواية الدولية كالصحافة الغربية و مراكز الأبحاث والجامعات و المؤسسات السياسية وشبكات التواصل و المتحدثون الرسميون والخبراء الذين يفسرون الأحداث.

إن المعركة الإسرائيلية الأساسية هي على تحديد إطر التفسير ذلك ان الحدث الواحد يمكن أن يقدم بوصفه حربا أو دفاعا عن النفس أو مقاومة، أو إرهابا أو أزمة إنسانية بحسب الجهة التي تملك القدرة على فرض الإطار الذي سيقرأ الجمهور من خلاله الحدث.

ومن ينجح في تحديد الإطار لا يحتاج إلى التحكم في كل تفاصيل القصة.

وهنا تكمن النقلة الاستراتيجية الكبرى ، فالقوة الإعلامية لم تعد تعني امتلاك المعلومة وإنما امتلاك سلسلة القيمة المعرفية كاملة.

و تبدأ هذه السلسلة بجمع المعلومات ثم التحقق منها ثم تفسيرها ثم إنتاج الرواية ثم توزيعها ثم إعادة إنتاجها بواسطة الخبراء والمؤثرين والمؤسسات الأكاديمية والإعلامية والسياسية.

ولهذا فإن الدولة التي تمتلك قناة قوية و لا تمتلك شبكة خبراء ومراكز أبحاث ومؤسسات إنتاج ومراسلين وقواعد بيانات ومنصات رقمية قد تكون قوية إعلاميا لكنها ليست بالضرورة تمتلك قوة إعلامية استراتيجية، فالإمبراطوريات الإعلامية الجديدة تعمل بطرق مختلفة. إنها تبني منظومة متكاملة وكالة أنباء وقناة و صحيفة و منصة رقمية وشركة إنتاج وشبكة مراسلين و مراكز أبحاث و بودكاست ومؤثرون ومحتوى متعدد اللغات وقواعد بيانات وعلاقات مع الجامعات وشبكات اتصال مع دوائر صنع القرار. عندها يصبح الإعلام جزءا من منظومة القوة الوطنية وليس مؤسسة مستقلة عنها.

وهذا يقود إلى سؤال أكثر أهمية: لماذا تنفق الدول مليارات الدولارات على الإعلام بينما تستطيع الوصول إلى الجمهور عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأقل التكاليف؟

هنا تأتي الرواية الاستراتيجية التي تؤكد بأن الوصول إلى الجمهور بالخطبة التقليدية واحتكار القنوات الإعلامية لم يعد ممكنا ومن ثم بدأ التأسيس لامتلاك البنية التحتية للانتباه.

والتي بدورها هي من تحدد الموضوعات التي تستحق النقاش وهي التي تمتلك جزءا من السلطة ووتحدد الخبراء الذين يظهرون على الشاشات وبهذه البنية امتلكت جزءا من السلطة.

فمن يمتلك البيانات التي تسمح له بمعرفة اتجاهات الجمهور يمتلك جزءا من السلطة ومن يستطيع نقل قضية محلية إلى الصحافة الدولية ثم إلى مراكز القرار يمتلك مستوى أعلى من القوة.

لذلك فإن الإعلام أصبح قريبا من مفهوم القوة الناعمة و تجاوزها في الوقت نفسه.

فالقوة الناعمة التقليدية تقوم على جاذبية الدولة وثقافتها وقيمها. أما الإعلام الاستراتيجي فيضيف إليها القدرة على التدخل في عملية إنتاج المدركات وتشكيل الوعي.

وهنا تظهر مشكلة عربية عميقة حيث ان معظم الدول العربية ما زالت تفكر في الإعلام بمنطق المتحدث الرسمي بينما تفكر القوى الأكثر تطورا في الإعلام بمنطق هندسة البيئة المعلوماتية.

والفرق بين النموذجين كبير .

إن المتحدث الرسمي ينتظر الحدث ثم يعلق عليه كما هو في بقية الدول العربية .

أما النظام الإعلامي الاستراتيجي فيحاول أن يكون موجودا قبل الحدث وأن يمتلك البيانات والخبراء والشبكات التي تمكنه من تفسيره خلال دقائق ثم يحدد الرواية التي ستنتقل إلى الإعلام الدولي.

وهذا يفسر أيضا لماذا أصبح الزمن عاملا حاسما في الصراع الإعلامي.

ف الدولة التي تحتاج إلى 24 ساعة لإنتاج موقف إعلامي أصبحت في وضع أضعف من مؤسسة قادرة على إنتاج الخبر والتحليل والتفسير خلال ساعة واحدة.

لذلك فإن مستقبل الإعلام الاستراتيجي يتجه نحو منظومات تجمع بين غرف الأخبار والتحليل الفوري والذكاء الاصطناعي وقواعد البيانات والتحقق الرقمي.

لكن الأخطر من ذلك أن الذكاء الاصطناعي سيخفض تكلفة إنتاج المحتوى بصورة هائلة مما يعني أن المنافسة المقبلة لن تكون في إنتاج النصوص والصور والفيديوهات وإنما في امتلاك المصداقية والبيانات والشبكات والقدرة على التحقق.

و عندما يصبح الجميع قادرا على إنتاج آلاف المواد يوميا تصبح قيمة المؤسسة التي يثق بها الجمهور أعلى من قيمة المؤسسة التي تنتج أكبر كمية من المحتوى.

ومن هنا يمكن قراءة مستقبل التنافس بين الخليج ومصر وإسرائيل بصورة مختلفة.

فالخليج يمتلك المال والقدرة على الاستثمار السريع وبناء المؤسسات ومصر تمتلك الكتلة البشرية والرصيد الثقافي والعمق التاريخي وإسرائيل تمتلك خبرة متقدمة في دمج الإعلام بالدبلوماسية العامة والتكنولوجيا والشبكات الدولية.

لكن أيا من هذه القوى لا يملك بالضرورة النموذج الكامل.

فالنموذج الأكثر قوة في المستقبل سيكون لمن يستطع الجمع بين المال والتكنولوجيا والمحتوى والثقافة والبيانات والشبكات الدولية والقدرة على إنتاج الخبر والتحليل في زمن الحدث وتوقيته.

وهذا يعني أن الصراع القادم لن يكون حول من لديه قناة أكبر ططووإنما حول من لديه نظام إعلامي أكثر قدرة على تحويل المعلومة إلى نفوذ.

وفي هذه الحالة تحديدا يصبح اليمن مثالا مهما ليس باعتباره منافسا لهذه القوى في حجم الموارد وإنما باعتباره مساحة لم تستثمر بعد بصورة استراتيجية في إنتاج الرواية.

فالمشكلة اليمنية ليست في نقص الأحداث حيث تتوالى كمية هائلة من الأحداث السياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية.

ولكن المشكلة في الآخرين غالبا و هم الذين ينتجون تفسير هذه الأحداث للعالم وهذه فجوة استراتيجية وليست فجوة إعلامية.

فالدولة أو القوة السياسية التي تترك الآخرين يفسرون واقعها تفقد جزءا من سيادتها المعرفية حتى لو احتفظت بسيادتها السياسية.

ومن هنا يمكن أن تنشأ استراتيجية إعلامية يمنية مختلفة لا تنافس الجزيرة في الحجم ولا العربية في الموارد ولا المنظومات الخليجية في رأس المال وإنما تنافسها في التخصص والسرعة والتحليل والبيانات وإنتاج المعرفة اليمنية بلغات متعددة وربط الإعلام بمراكز البحث والجامعات والمؤسسات الأوروبية.

عندها لا تكون المنصة صحيفة يمنية إلكترونية وإنما نواة لنظام نفوذ معرفي.

وهذه هي القاعدة التي ستحدد شكل الإمبراطوريات الإعلامية في العقد القادم: فلن ينتصر من يملك معمل لنقل الاخبار وإنما من يملك القدرة على تحويل المعلومة إلى معرفة والمعرفة إلى رواية والرواية إلى شبكة والشبكة إلى نفوذ سياسي.

فالإعلام بهذا المعنى، لم يعد مرآة للقوة فلقد أصبح أحد مصادرها ولن يكون للإعلام أية قيمة استراتيجية ما لم يؤسس على بنية فكرية توازن بين الحدث والقيمة والتاريخ والنسب والموضوعية.