في الوقت الذي يبحث فيه المواطن عن فتات العيش بين أكوام المعاناة، وتتردد في الأفق أصداء صرخات الجياع التي لا تجد لها مجيباً، تطفو على السطح مفارقة صارخة تقسم المشهد إلى عالمين متباينين: عالم الأغلبية المقهورة التي تدفع ثمن الأزمات من قوت يومها، وعالم النخبة التي امتلأت جيوبها بملايين الدولارات والريالات على حساب ثروات الوطن وحدوده.
تجارة الشعارات وواقع النهب
لم تعد الوطنية في أدبيات متسلقي كراسي السلطة سوى شعار براق يُستخدم للتغطية على شبكات المصالح والمحسوبية. وفي الوقت الذي يُطلب فيه من الشارع الصبر والتحمل وتجرع مرارة التقشف، يتسابق هؤلاء على نهب الموارد والمقدرات، وبيع تراب الوطن عند أول عرض سعر، دون وازع من ضمير أو رادع من أخلاق.
هذا التباين الحاد يعيد إلى الأذهان التساؤل الأزلي حول المفهوم الحقيقي للقيادة والمسؤولية:
قيادة المبادئ: النموذج التاريخي الذي حمله رجال زهدوا في ملذات الدنيا وزخارفها، وجعلوا خدمة الناس ورفع الظلم عنهم أولويتهم القصوى؛ كعمر بن عبد العزيز في عدله ورعايته للرعية، أو المعتصم في استجابته لصرخة مظلومة.
تجارة السلطة: السلوك القائم على استغلال المناصب لتحقيق الثراء السريع، وتحويل المقدرات الوطنية إلى أرقام في الحسابات الشخصية بالخارج، مع تناسي هموم الأرض والإنسان.
النقد في زمن التهم الجاهزة
إن الأزمة لا تقتصر على نهب الثروات فحسب، بل تمتد إلى مصادرة الحق في الرفض أو النقد. فبمجرد أن يرفع أي مواطن أو إعلامي صوته متسائلاً عن مصير الثروات الوطنية أو منتقداً السلوكيات الفاسدة، تُفتح أمامه قائمة التهم الجاهزة والتوصيفات المعلبة:
الطعن في الوطنية: اتهام الخصوم والمطالبين بالحقوق بأنهم "خونة" أو "باعة للوطن".
التخابر والعمالة: ربط أي رأي معارض بالارتباط بأجندات أو دول أجنبية.
تسييس العدالة: استخدام القوانين والسجون كأداة لتكميم الأفواه وإصدار الأحكام على الأبرياء لمجرد تعبيرهم عن واقعهم الأليم.
تداعيات غياب المحاسبة
يؤدي صعود متسلقي السلطة وتغليب المصالح الشخصية إلى تراجع مؤسسات الدولة وتفشي الفساد المالي والإداري. كما أن الاعتماد على تكميم الأفواه وسلاح التخوين يتسبب في فقدان الثقة التامة بين المواطن ومؤسساته وتغييب الشفافية. وفي نهاية المطاف، يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف، حيث يدفع الثمن المباشر لإهمال الاحتياجات الأساسية من خلال اتساع رقعة الفقر وتدهور الخدمات المتردية أصلاً.
البون الشاسع والحل المفقود
يبدو الفرق شاسعاً وغير قابل للردم بين من يحمل حب الدين والوطن والمواطن في قلبه سلوكاً وفعلاً، وبين من يرى في الوطن مجرد غنيمة تُقسم ومزاد يُباع فيه التراب لأعلى سعر. إن إعادة الاعتبار لمفهوم "الوطنية الحقيقية" تتطلب تغليباً للشفافية وتفعيلاً حقيقياً لأجهزة الرقابة والمحاسبة، حتى لا تظل الوطنية مجرد ستار يُغطي على الجيوب المنتفخة والبطون الخاوية.