يُحكَى عن الفيلسوف " ديوجين الكلبي" أنه كان يحمل فانوسا في النهار وإذا سئل عن فعله ذلك قال : أبحث عن إنسان ! وألف اليكسيس كاريل كتابا أسماه "الإنسان ذلك المجهول" حاول أن يكتشف كثيرا مما يشتمل عليه الإنسان من خصائص الإنسانية التي تميز بها عن سائر المخلوقات ليثبت أن الإنسان لا يزال يجهل نفسه ، ولذلك علق على كتابه بعض علماء المسلمين بأنه قام بمحاولة جيدة اقترب فيه من معرفة الإنسان ولو علم ما في الإسلام لوصل إلى حقيقة الإنسان كاملة وأراح نفسه وغيره ، وهناك محاولات أخرى لبعض المفكرين وعلماء النفس والإجتماع ذهبت في التجهيل بالإنسان وأضاعت حقيقته ماركس القائل : بالحتمية التاريخية والتي تعني أن الظروف المحيطة بالإنسان هي التي تشكل عقيدته ومشاعره وفرويد القائل : بأن حركة الإنسان ونشاطه في الحياة بدافع الغريزة الجنسية ، ودركايم القائل : بالعقل الجمعي الذي يلغي الفردية واستغلال الشخصية ، والإسلام هو العدل والوسط والخيار ( وكذلك حعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) فالإنسان مكرم مستقل وله أرادة ويحتاج أن يعان على الهداية برسالة ربانية تنير له الطريق ، يمكن أن تزكو نفسه بالإيمان وتتربى على تعاليم الإسلام حتى يغير بحركته ونشاطه أقصى ما يصل إليه من هذا العالم كما استطاع الجيل الأول أن يصل إلى الصين شرقا وجنوب فرنسا غربا ، فلا حتمية تفرض عليه من الخارج بل التغيير من الداخل ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) والإنسان فيه طاقات غير الجنس تدفعه للحركة هي حب الحق والخير والعدل والجمال ، ولم يحرم الإسلام الحاجة الجنسية وإنما وضع لها ضوابط وشروط معلومة في الإسلام
ولسنا في مقام مناقشة هذا النظريات فلها من العلماء والمفكرين من تكلم فيها وفصل في تفنيدها وأتى على أولها وآخرها ، إنما يعنينا هو أن ضياع الإنسان في مجتمعاتنا العربية مشكلة قائمة فلو رأينا كيف نسعى لحل قضايانا في الخارج لوجدنا أنفسنا أمة متخلفة تستجدي الضمير الإنساني بأن يحقق لها العدالة ويرفع الظلم عنها وهذا في الواقع هو إلغاء منا لإنسانيتنا التي قضينا عليها في داخل نفوسنا وفي أوطاننا ، نحارب من يسعى لحربتنا وإعادة حقوقنا ونحارب الابداع والإصلاح ، نرى أن المغامرة الشريفة مخاطرة بالمستقبل ، وهذا يعني أننا قد أضعنا أنفسنا قبل أن نضيع حقوقنا ، وقد سبق الإسلام بكتابه الخالد " القرآن الكريم " كل المحاولات البشرية فتناول القضية بيسر ومن أقرب الطرق وبأسلوب المتمكن كما قال الله تعالى عن نفسه ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) ويتضح ذلك أكثر عندما تقارنه بصعوبة الطرق التي سلكها الإنسان من أجل معرفة نفسه بلا هداية من الله ، وتفكر في قول الله تعالى ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة من الصالحين )
ترى بأن الآية تقرر بأن ملة إبراهيم وهي الحنيفية دين الإسلام كفيلة بتعريف الإنسان بربه وتمكنه من معرفة نفسه كإنسان في أكمل وأحسن حالاته
وهو ما فسر به العلماء الآية عندما قالوا في قوله ( سفه نفسه ) جهل نفسه وقالوا : "من عرف ربه عرف نفسه"