يُقال: " البحر واحد، والأسماك أنواع. " وهي حكمة تختصر اختلاف المظاهر داخل البيئة نفسها. لكن في السياسة تبدو الصورة أكثر قسوة؛ فالبحر قد يكون واحداً، غير أن الأسماك لا تختلف إلا في اللون والحجم، أما اتجاه السباحة فترسمه اليد التي تلقي الطُعم.
ومن هنا أقول: الكفيل واحد... لكن العملاء كُثر. تتغير وجوههم، وتتبدل لهجاتهم، وتختلف شعاراتهم، غير أن الخيط الذي يحركهم يبقى واحداً، وإن حاولوا إخفاءه خلف الخطب الرنانة واللافتات الوطنية.
فمنهم من يبيع وطنه بخطابٍ منمق، ومنهم من يبيعه بمنصبٍ زائل، ومنهم من يُتقن أداء دور الوطني في وضح النهار، ثم يخلع القناع ليلاً عند أبواب الممولين. يرفع شعار السيادة بلسانه، بينما قراره السياسي وراتبه ومصلحته تعبر الحدود قبله.
والمفارقة أن الشعارات تتغير في كل مرحلة؛ مرة باسم الوحدة، ومرة باسم الشرعية، ومرة باسم إنقاذ الشعب، لكن النتيجة واحدة: الشعب هو الذي يدفع فاتورة المسرحية كاملة، والوطن هو الذي يسدد الثمن من أمنه وكرامته ومستقبله.
والوطن لا يسقط حين يكثر أعداؤه فحسب، بل حين يتحول بعض أبنائه إلى سماسرة للمواقف، يؤجرون ضمائرهم، ويقايضون القضايا الوطنية بالمكاسب الشخصية. فالأوطان لا تُباع دفعةً واحدة، بل تُباع بالتقسيط السياسي، حتى يستيقظ الناس وقد اكتشفوا أن ما تبقى لهم مجرد شعارات.
ولعل أوضح مثال على ذلك هو الحصان الخشبي في قصة طروادة؛ فلم تسقط المدينة لأن العدو اقتحم أسوارها بالقوة، بل لأنها أدخلت بنفسها ما ظنته هدية، فإذا به يحمل في داخله أسباب سقوطها. وهكذا تفعل الأوطان حين تمنح الثقة لمن يرفع شعار الإنقاذ، بينما يخفي في داخله مشروعاً لا يخدم إلا من يقف خلفه.
إن أخطر خصوم الأوطان ليس من يعلن عداءه صراحة، فذلك يُعرف ويُواجه، وإنما من يرتدي ثوب المنقذ، ويتحدث بلسان الوطنية، بينما يعمل لمصلحة غير وطنه. فالسيف الظاهر يمكن مقاومته، أما الخنجر المغروس في ظهر الوطن، فإنه يأتي غالباً مبتسماً، محاطاً بالتصفيق، ومتوشحاً بخطابٍ وطنيٍّ براق.
إن التاريخ لا يحفظ أسماء الذين أكثروا من الشعارات، بل يحفظ أسماء الذين صانوا أوطانهم، ورفضوا أن تكون كرامتهم وثرواتهم وقرارهم الوطني سلعةً في سوق المصالح. فالوطن لا يحتاج إلى ممثلين بارعين، بل إلى رجال أحرار لا يبيعون ضمائرهم مهما ارتفع الثمن.