ليس العمل الإنساني مجرد سلة غذائية تُسلَّم، ولا مبلغٍ يُدفع، ولا صورة تُلتقط أمام الكاميرات، ثم تُنشر لتقول للناس: «لقد فعلنا الخير».
العمل الإنساني أعمق من ذلك بكثير؛ إنه رسالة أخلاقية، ومسؤولية دينية، وامتحان حقيقي لضمير الإنسان قبل أن يكون وسيلة لإغاثة الإنسان.
وفي الإسلام، لم تكن مساعدة المحتاج ترفاً ولا عملاً موسمياً، بل كانت جزءاً أصيلاً من منظومة التكافل والرحمة. ومن هنا جاءت مؤسسات بيت المال في التاريخ الإسلامي لتؤدي دوراً اجتماعياً واقتصادياً في رعاية الفقراء والمحتاجين وتحقيق قدر من العدالة والتكافل داخل المجتمع.
ولعل من أكثر النماذج التي تُستحضر عند الحديث عن عدالة الدولة ورعاية الفقراء سيرة الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، الذي ارتبط اسمه في الذاكرة الإسلامية بالعدل والزهد والإصلاح، حتى اشتهرت الرواية التي تقول إن أموال الزكاة عُمِّمت في عهده حتى عُدِم من يأخذها في بعض المناطق.
وهنا تكمن الفكرة الكبرى: الغاية من العمل الإنساني ليست أن يبقى الفقير محتاجاً إلى المساعدة إلى الأبد، وإنما أن تساعده حتى يستعيد قدرته على الوقوف على قدميه.
فالعمل الإنساني الناجح لا يكتفي بإطعام الجائع اليوم، بل يسأل: كيف نجعله قادراً على إطعام أسرته غداً؟
ولا يكتفي بإعطاء المحتاج المال، بل يبحث عن وسيلة تحفظ له كرامته وتفتح أمامه باب الاعتماد على النفس.
لكن المؤلم أن بعض الممارسات الحديثة بدأت تفرغ العمل الإنساني من معناه.
فما إن تصل المساعدات حتى تبدأ الكاميرات بالعمل: صورة هنا، وأخرى هناك، ومستفيد يحمل السلة، وآخر يقف أمام المصور، وربما يُعاد المشهد مرات عدة من أجل إنتاج مادة إعلامية تُظهر حجم الإنجاز.
وهنا يجب أن نتوقف.
هل المحتاج سلعة إعلامية؟ وهل فقر الإنسان مادة للدعاية؟ وهل يجوز أن تتحول حاجته إلى وسيلة لصناعة الشهرة؟
ليس الاعتراض على الإعلام من حيث المبدأ، فالتوثيق والإعلام عن المشاريع الإنسانية قد يكونان ضروريين لإظهار الإنجازات وتعزيز الشفافية وجذب الدعم. لكن الفارق كبير بين توثيق المشروع وبين تحويل المحتاج نفسه إلى بطل إجباري في صورة تُظهر ضعفه وحاجته.
فالإنسان الذي يقف في طابور المساعدات ليس أقل كرامة من الشخص الذي يقف خلف الكاميرا.
وقد يكون ذلك المحتاج أباً أنهكته الظروف، أو أماً تحاول أن تخفي دموعها عن أطفالها، أو شيخاً أثقلته السنون، أو طفلاً لا يفهم لماذا أصبح فقر أسرته مشهداً يتداوله الناس.
كرامة الإنسان ليست تفصيلاً هامشياً في العمل الإنساني؛ إنها جوهره.
ولهذا فإن الصدقة في الثقافة الإسلامية ارتبطت بالإخلاص، وحفظ كرامة المحتاج، والابتعاد عن المنِّ والأذى. فالقرآن الكريم يقول:
﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 271].
المسألة إذن ليست رفضاً للتصوير لمجرد التصوير، وإنما رفض لتحويل الإنسان المحتاج إلى وسيلة للاستعراض، أو تصويره بطريقة تنتقص من كرامته، أو إجباره على الظهور دون مراعاة خصوصيته ورضاه.
ومن هنا يجب أن نستعيد المعنى الحقيقي للعمل الإنساني.
إن المؤسسات الإنسانية، سواء كانت محلية أو دولية، مدعوة إلى أن تجعل الإنسان محور عملها، لا الصورة التي ستُنشر عنه.
وحين يُذكر الحديث عن الصليب الأحمر والهلال الأحمر، فإن الفكرة الأساسية التي ينبغي أن تبقى حاضرة هي أن العمل الإنساني رسالة عالمية تقوم على إغاثة المتضررين ومساعدة المحتاجين بعيداً عن التمييز، وأن العمل الإنساني لا ينبغي أن يتحول إلى ساحة للمزايدة أو الاستعراض.
وقد عرفت المجتمعات العربية والإسلامية عبر تاريخها صوراً متعددة من التكافل والإغاثة، ومن بينها مؤسسة الهلال الأحمر في العصر الحديث، إلى جانب مؤسسات ومنظمات إنسانية أخرى.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، خصوصاً في المجتمعات التي أنهكتها الحروب والأزمات، هو:
ماذا نريد من العمل الإنساني؟
هل نريد آلاف الصور التي تثبت أننا قدمنا المساعدات؟
أم نريد آلاف الأسر التي لم تعد بحاجة إلى تلك المساعدات؟
هل نريد أن يصفق الناس للمؤسسة الإنسانية؟
أم نريد أن يبتسم الطفل لأن أسرته أصبحت قادرة على توفير احتياجاته؟
الفرق بين الاثنين هو الفرق بين الإغاثة المؤقتة وصناعة الأمل.
إننا بحاجة إلى أن ننتقل من ثقافة «توزيع المساعدات» إلى ثقافة «تمكين الإنسان».
نحتاج إلى مشاريع صغيرة، وتعليم، وتدريب مهني، ودعم للأسر المنتجة، ورعاية للأيتام، وتمكين للمرأة، وتأهيل للشباب، ومساعدة للمحتاج على امتلاك مصدر دخل يحفظ له استقلاله وكرامته.
وهذا هو الدرس الأهم الذي يمكن أن نستفيده من تجربة عمر بن عبد العزيز: أن عدالة العمل الإنساني لا تُقاس بعدد السلال التي وُزعت فقط، بل بمدى قدرتنا على تقليل الحاجة نفسها.
فالهدف الأسمى ليس أن نقول: «لقد أطعمنا الفقراء»، وإنما أن نصل يوماً إلى مجتمع يقل فيه الفقر، وتتراجع فيه الحاجة، ويصبح الإنسان قادراً على أن يعيش بكرامة دون أن يمد يده لأحد.
إن العمل الإنساني الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج كبير.
قد يكون في يد تمتد في الظلام دون كاميرا، وفي بيت تُترك عند بابه مساعدة دون أن يعرف صاحبها من أرسلها، وفي مؤسسة تعمل بصمت، وفي إنسان يعطي دون أن ينتظر تصفيقاً.
هناك، في المسافة بين الحاجة والكرامة، يولد أصدق معنى للإنسانية.