آخر تحديث :الأربعاء-02 سبتمبر 2026-08:28ص

الجغرافيا السياسية الإيرانية: الخاصرة الرخوة في جسد الأمة

الأربعاء - 19 أغسطس 2026 - الساعة 11:10 م
عوض عميران


​على امتداد التاريخين القديم والمعاصر، لطالما شكلت المعادلة بين "طبيعة الجغرافيا" و"طبيعة الخطاب السياسي" المحور الأساسي في فهم أزمات الشرق الأوسط، وصناعة تحولاته بين الاستقرار والاضطراب. وفي حالة الدولة الإيرانية — بعقودها المتعاقبة وصولاً إلى النظام الإيديولوجي الحالي — يتكشف بوضوح سلوك سياسي يعتمد على الشعارات المدوّية والاستعلاء الخطابي، على حساب التنمية المستدامة، والبناء التراكمي الهادئ لمفهوم الدولة الرشيدة، ورعاية مقتضيات المصلحة الإقليمية المشتركة.

​إن هذا الانفصام المزمن بين الواقع الإستراتيجي والادعاء السياسي هو الذي استجلب في مواقف تاريخية عديدة مواجهات عسكرية صفريّة؛ حروباً لا تترك وراءها سوى الدمار الطائل للبنية التحتية، العسكرية والمدنية والحيوية، ليخرج بعدها الإعلام الرسمي بمقولات تبريرية تسعى لترويج وهم الانتصار، متغافلاً عن حقيقة بسيطة ومباشرة: "أن مجرد الصمود أو عدم السقوط الكلي لا يعني بأي حال من الأحوال تحقيق انتصار إستراتيجي".

​"الفزاعة" وتدوير الأزمات: لعبة الابتزاز الدولي

​عند تفكيك الديناميات الجيوسياسية بين واشنطن وطهران، تبرز حالة من "التغذية المتبادلة" للأزمات. فالخطاب الإيراني الهجومي يوفر الذريعة النموذجية والمجانية للقوى الغربية لممارسة الابتزاز السياسي والاقتصادي على المنطقة العربية، وتكرار المعزوفة الاستعمارية القديمة: "الحماية مقابل الاستنزاف".

​صناعة الوهم وتضخيم الخطر: تتعمد بعض الدوائر الغربية تضخيم القوة الإيرانية وإظهار نوع من العجز أو المماطلة في حسم الخلافات معها، لترسيخ انطباع لدى المحيط العربي مفاده أن هذه "الفزاعة الإقليمية" ستظل قائمة ومهددة، وبالتالي لا بديل للعرب عن البقاء تحت مظلات الأمن الإقليمي الغربي وتسهيل التواجد الأجنبي.

​تبادل الخدمات غير المباشر: تتلاقى رغبة طهران في تصدير أزمتها الداخلية والهروب للأمام عبر فرض النفوذ خارج حدودها مع الرغبة الغربية في إبقاء المنطقة في حالة استنزاف وحيرة دائمين: متأرجحةً بين خطورة التمدد الإيراني المباشر من جهة، والارتهان للحلول الخارجية من جهة أخرى. وبدلاً من أن تكون إيران سنداً لإقليمها، أصبحت بنهجها الاندفاعي إحدى أكبر أدوات التمكين للهيمنة الأجنبية على المنطقة.

​الجغرافيا الإيرانية: منصة لاستجرار الأعداء عبر التاريخ

​تطرح القراءة التاريخية العميقة سؤالاً جوهرياً: هل كانت الجغرافيا الإيرانية في أي مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي مصدر دعم واستقرار للأمة، أم كانت منصة لاستجرار المخاطر والأعداء، ثم تحميل الجوار العربي والإسلامي كلفة تلك المغامرات؟

​الاستقراء التاريخي منذ فتح بلاد فارس يُظهر أنه كلما خضعت هذه الجغرافيا لحكم سلالات أو جماعات ذات نزعات أيديولوجية مغلقة ومتمردة، تحولت إلى نقطة ضعف واختراق للعمق الإسلامي:

​الدولة الخوارزمية واستجرار التتار (1219 - 1231 م): بسبب السلوك العسكري والحسابات الخاطئة لحكام الدولة الخوارزمية التي كانت تسيطر على الهضبة الإيرانية (مثل حادثة قتل تجار ورسل المغول في "أطرار")، استُجلب الغزو المغولي الكارثي إلى قلب العالم الإسلامي. لم تكن جبال إيران حائط صد ضد التتار، بل أضحت البوابة التي انفتحت منها النكبة التي أحرقت بغداد وأسقطت الخلافة العباسية. وحين وقعت الواقعة، انهار السلاح الخوارزمي، ودُفعت المنطقة بأسرها ثمن ذلك الطيش الإستراتيجي.

​حركة الحشاشين وقلاع "آلموت" (1090 - 1256 م): اقتطعت جماعة الحشاشين جغرافية جبلية حصينة في شمال إيران، ولم تُسخَّر تلك الحصانة الطبيعية لحماية ثغور الإسلام أو مواجهة الحملات الصليبية التي كانت تلتهم سواحل الشام والقدس. بل على العكس، استخدمت هذه الجغرافيا كمركز للإنهاك الداخلي للأمة عبر الاغتيالات السياسية والتفاهمات المشبوهة مع الصليبيين ضد القوى الإسلامية المجاورة، وظلوا كذلك حتى دمر المغول قلاعهم.

​الدولة الصفوية وتعميق الشقاق (1501 - 1736 م): تحولت الجغرافيا الإيرانية في العصر الصفوي إلى خنجر في ظهر الخلافة العثمانية أثناء خوضها معارك مصيرية على الجبهات الأوروبية. وبدلاً من أن تكون الهضبة الإيرانية عمقاً إستراتيجياً للمسلمين، أصبحت جبهة استنزاف خلفية طاحنة. بل إن الدولة الصفوية دخلت في اتصالات وتفاهمات مع القوى الأوروبية (كالنمسا والبرتغال) لنكاية العثمانيين وتشتيت جهودهم، مما أضعف موقف العالم الإسلامي وتسبب في تأخير مدّه الحضاري.

​بين العطاء الفكري للرجال والمشاريع السلطوية للجغرافيا

​عند البحث في التاريخ الإسلامي عن أي مرحلة وُظِّفت فيها "الجغرافيا السياسية الإيرانية" كدرع حصين للأمة، نصل إلى حقيقة حاسمة:

​إن المساهمة الإيجابية العظمى لبلاد فارس في التاريخ الإسلامي لم تكن قط عبر "الجغرافيا السياسية أو المشاريع السلطوية الإيرانية"، بل كانت عبر "العنصر البشري والفكري" الذي ذاب واندمج في الإطار الحضاري الإسلامي الشامل (كعلماء الحديث واللغة والعلوم؛ مثل البخاري، وسيبويه، والبيروني، والغزالي). هؤلاء العلماء أنجزوا إبداعاتهم عندما كانت إيران جزءاً كاملاً من أمة الإسلام الموحدة، وليس عندما كانت كياناً جيوسياسياً يحمل مشروعاً منابذاً لمحيطه.

​وحتى عند الاستشهاد بـ السلاجقة الذين حكموا من الهضبة الإيرانية وقاوموا البيزنطيين في معركة ملاذكرد (1071 م)، فإن قوتهم لم تكن نابعة من "مشروع جغرافي إيراني خاص"، بل من تبنيهم لشرعية الخلافة والدفاع عن الأمة والتكامل مع بغداد والشام ومصر.

​إسقاطات على الواقع المعاصر: الدرس والمآلات

​إن المقارنة بين هذا السلوك التاريخي والواقع الراهن توضح استمرار ذات الأنماط والسياسات:

​الهروب من التنمية إلى الحروب بالوكالة: الإخفاق في بناء اقتصاد قوي، وتوفير العيش الكريم للشعب الإيراني، وبناء دولة المؤسسات، يُستعاض عنه بدعم الميليشيات العابرة للحدود وتطوير أسلحة الردع الأيديولوجي.

​ثمن "الانتصار" المزعوم: حينما تندلع المواجهات وتُقصف البنى التحتية والمرافق الحيوية، يعود الإعلام الرسمي ليعلن "الانتصار" لمجرد أن النظام لم يسقط، معلقةً الكوارث على كاهل الشعوب التي تُترك لمواجهة الفقر والدمار.

​استجرار القوى الدولية: تماماً كما استُجلب المغول والبرتغاليون سابقاً بسبب أخطاء الحكام، فإن المغامرات الراهنة تمنح القوى العظمى مبررات مستمرة لزيادة حضورها العسكري في الخليج العربي، وبناء القواعد، وتوثيق صفقات السلاح، مما يجعل المنطقة بأسرها رهينة حالة لا تنتهي من الاضطراب.

​كلمة أخيرة

​يحذر التاريخ الإنساني بوضوح من خطورة الخطاب السياسي الذي يتغذى على الإثارة والشعارات المجرّدة دون الامتلاك الحقيقي لأركان القوة الشاملة (الاقتصاد، التكنولوجيا، والانسجام مع الجوار).

​إن الاعتماد على جغرافية الصراع والاستقواء بالفوضى لا ينتج نصراً إستراتيجياً، بل يعيد إنتاج ذات المآسي: دمار للمجتمعات الإيرانية نفسها، واستنزاف للمحيط العربي والإسلامي، وتوفير الذرائع المجانية للقوى الكبرى لاستكمال خطط السيطرة.

​إن الحقيقة الجيوسياسية الخالدة تؤكد أن الأمن والاستقرار لا يُبنيان بالشعارات، وأن أي جغرافيا تصبح عبئاً ثقيلاً على أهلها وعربةً تجر الأعداء إلى جيرانها، إذا ما أُديرت بمغامرات أيديولوجية تُغفل حقائق التوازن، والبناء التراكمي الهادئ، ومفهوم الدولة الرشيدة خادمة الإنسان.