في آخر الحي، كان هناك بيتٌ قديم.
كل شيء فيه تغيّر مع الزمن.
تشققت جدرانه، وشاخت نوافذه، ولم تعد أشجار الحديقة كما كانت.
لكن شيئًا واحدًا ظل كما هو...
الباب.
كان مفتوحًا كل صباح.
لا على اتساعه...
بل بالقدر الذي يسمح لمن يريد الدخول أن يعرف أن الدخول ما يزال ممكنًا.
كان يبقى مواربًا دائمًا.
في البداية، ظن أهل الحي أن صاحبه ينسى إغلاقه.
ثم اعتادوا الأمر.
وكان الأطفال، كلما مروا أمام البيت، يبطئون خطواتهم قليلًا، وينظرون إلى الباب الموارب بفضول.
أحيانًا يتبادلون السؤال نفسه:
"ياترى... لماذا يترك الرجل بابه هكذا؟"
أما صاحب البيت، فكان رجلًا هادئًا يعيش وحده.
يسقي شجرته صباحًا، ويجلس قرب النافذة مساءً، ولا يتدخل في شؤون أحد.
ومع مرور السنوات، كبر الأطفال، وانشغل كل واحد منهم بحياته...
لكن ذلك السؤال ظل عالقًا في ذاكرة أحدهم.
وفي أحد الأعوام، عاد إلى الحي بعد غياب طويل.
كان البيت قد أصبح أكثر هدوءًا.
تغيرت أشياء كثيرة حوله، لكن الباب...
ظل كما كان.
اقترب منه.
طرق برفق.
فتح له رجلٌ طاعن في السن.
كان هو نفسه صاحب البيت.
ابتسم وقال:
"تفضل."
دخل الشاب وجلس.
وبعد حديث طويل، لم يستطع أن يؤجل السؤال الذي ظل يسكنه منذ طفولته.
قال:
"أريد أن أسألك شيئًا...
لماذا كنت تترك باب بيتك مفتوحًا كل هذه السنوات؟"
نظر الرجل نحو الباب.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
"لأنني أعرف شعور من يبحث عن بابٍ مفتوح."
ساد صمت قصير.
ثم أكمل بهدوء:
"في شبابي...
طرقت أبوابًا كثيرة.
بعضها لم يُفتح.
وبعضها فُتح متأخرًا.
ووعدت نفسي يومها...
إذا صار لي بيت...
فلن أجعل أحدًا يشعر بما شعرت به."
خرج الشاب من البيت.
وفي طريقه، ظل ينظر إلى الأبواب التي يمر بها.
كانت كلها مغلقة.
وفجأة...
لم يعد يفكر في البيوت.
صار يفكر في الناس.
في إنسان يحتاج إلى من يسمعه، لكنه لا يجد من يصغي.
وفي شخص يبحث عن فرصة، فيجد الأبواب موصدة.
وفي آخر لا يحتاج إلا إلى كلمة تشعره بأنه ليس وحده.
وتذكّر أن بعض الأبواب لا تحتاج إلى مفتاح... قد تفتحها ابتسامة، أو كلمة طيبة، أو موقف صادق.
وكم من كلمة كان يمكن أن تكون بابًا.
وكم من ابتسامة.
وكم من فرصة.
وكم من عذر.
لكننا أغلقناها...
قبل أن يطرقها أحد.
ربما...
ليست كل الأبواب تُصنع من الخشب.
بعضها يُصنع من طريقة استقبالنا للناس.
ومن رحابة قلوبنا.
ومن قدرتنا على أن نمنح غيرنا شعورًا بسيطًا...
أنه ليس غريبًا.
وربما لهذا جاء في هدي النبي ﷺ:
«تبسُّمك في وجه أخيك لك صدقة».
عندها أدرك أن الإنسان قد لا يملك أن يفتح كل الأبواب أمام الآخرين... لكنه يستطيع، في كثير من الأحيان، ألا يكون هو الباب الذي يُغلق في وجوههم.
حين ابتعد الشاب، التفت إلى الوراء.
كان الرجل لا يزال واقفًا عند الباب.
لم يلوّح بيده.
ولم يقل شيئًا.
فقط...
ترك الباب كما كان.
مواربًا.
وكأن بعض الأبواب لا تُترك مفتوحة...
لأن أحدًا ينتظر شخصًا بعينه.
بل لأن أحدًا لا يعرف...
من يحتاج إليها غدًا.