في هذه السطور، لا أكتبُ عن مسؤولٍ إداري أو أكاديمي فحسب، بل أكتبُ عن "ياسر"، الصديق الذي رافقتهُ في دروب الحياة منذ بداياتنا الأولى في فضاءات الطفولة البريئة، وحتى ذرى النجاح التي ارتقاها اليوم. إن شهادتي هذه ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي خلاصة تجربةٍ إنسانية ممتدة لسنوات من الرفقة، شهدتُ فيها كيف صاغ الدكتور ياسر باعزب شخصيته من طينةِ النقاء، وكيف تحول ذلك الفتى المتسامح والخدوم في أروقة الدراسة بمدينة مودية، إلى قامةٍ وطنية فارعة تتجاوز حدود الألقاب لتلمس هموم المجتمع بكل إخلاص.
لقد وُلد وترعرع في ربوع مدينة مودية بمحافظة أبين، وهناك بين أحضان الطبيعة البكر، شُحذت عزيمتهُ العلمية. فقد بدأ مسيرته التعليمية بتفوق، ثم انتقل لثانوية جواس، ليواصل رحلته نحو التميز، حيث لم يكن هدفه مجرد التحصيل الأكاديمي، بل كان طموحهُ يتجه دوماً نحو المعالي، متسلحاً برغبةٍ صادقة في تغيير واقع مجتمعه نحو الأفضل. هذه المسيرة العلمية المتفردة توجت بحصوله على درجة الماجستير من كلية الإعلام بجامعة عدن عام 2004م، ليردفها بدرجة الدكتوراه من الجامعة ذاتها عام 2009م،ونال لقب استاذ مشارك في الإعلام ، ويواصل أبحاثه حتى ينال لقب البروفيسور ، مؤكداً أن العلم كان ولا يزال بوصلتهُ في كل محطة من محطات حياته.
على مدار سنوات رفقته، كان الدكتور ياسر –الذي أعرفه حق المعرفة– يجسد معادلة "المثقف الميداني"؛ فهو ليس حبيس الكتب أو المكاتب، بل رجلٌ جعل من العمل العام رسالةً سامية. فقد تنقل بخبرته الإدارية والعملية في مواقع المسؤولية، تاركاً في كلٍ منها أثراً لا يُمحى؛ فهو أستاذ الإعلام والعلوم السياسية بكلية الإعلام بجامعة عدن، ونائب العميد لشؤون التطبيق العملي وخدمة المجتمع، وهو ذاته المدير العام لفرع وزارة الإعلام بمحافظة أبين الذي أحدث حراكاً إعلامياً لافتاً، ورئيس تحرير موقع "أبين الآن"، والصوت المهني المدافع عن حقوق الزملاء بصفته رئيساً لدائرة التأهيل والتدريب بنقابة الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين.
لم تكن بصماته محصورة في أروقة الإعلام، بل امتدت لتشمل العمل الوطني والتنموي؛ فقد قاد ببراعة الفريق الوطني لمشروع تعزيز التدابير الوقائية لبناء قدرة المجتمع على الصمود، بتنسيقٍ دولي رفيع مع مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث (UNDRR)، كما أثبت حضوره القوي في السلام المجتمعي والبيئة، منسقاً وطنياً للشبكة العربية للبيئة والتنمية "رائد"، وأميناً عاماً لرابطة الصحفيين والإعلاميين البيئيين، ورئيساً للجنة المجتمعية لبناء السلام في أبين.
إنني، وبعد كل هذه السنين التي تقاسمنا فيها أفراح الطفولة وتحديات الكبار، أرى في الدكتور ياسر باعزب نموذجاً للإنسان الذي لا تستهويه المناصب إلا بقدر ما تمنحهُ من قدرةٍ على خدمة الناس. إنه "ياسر" نفسه الذي عرفتُ طفولته المعطاءة، هو اليوم القائد الذي لا يهدأ، والرمز الذي جعل من مسيرتهِ حكاية نجاحٍ يمني خالص، يمنحنا جميعاً الأمل بأن في وطننا طاقاتٍ قادرة على صناعةِ الفرق، متى ما اقترن العلمُ بالخلق، والطموحُ بالعمل الميداني النبيل.