لم يمت الرجل الخمسيني وحده تحت عجلات القاطرة.
مات معه، في تلك اللحظة، شيء آخر لا نراه بسهولة:
مات شعورنا بأن الطريق مكانٌ آمن.
رجل خرج من بيته، وربما لم يخطر بباله أن رحلته الأخيرة لن تنتهي بعودته إلى أهله، وأن دقائق عابرة في شارع مزدحم ستغلق خلفه بابًا لن يُفتح مرة أخرى.
رحل.
وبقي السؤال.
ليس السؤال الذي نردده دائمًا بعد كل حادث:
من المخطئ؟
بل السؤال الذي نهرب منه:
كيف وصلنا إلى طريق يجعل الموت فيه بهذه السهولة؟
حين تغيب شرطة المرور عن أماكن الاختناق، وحين تتداخل القاطرات والشاحنات مع السيارات والمشاة، وحين يصبح الوقوف العشوائي أمرًا مألوفًا، وحين يبحث الإنسان عن متر آمن ليعبره فلا يجده…
فإننا لا نتحدث عن حادث واحد.
نحن نتحدث عن فوضى لها أبواب كثيرة.
قد يكون السائق مخطئًا.
وقد يكون المشاة أخطأوا.
وقد تكون المركبة أو الطريق أو الازدحام أو ضعف التنظيم عوامل ساهمت في وقوع الكارثة.
لكن الحقيقة التي يجب ألا نهرب منها هي أن الحوادث الكبيرة نادرًا ما تولد من سبب واحد.
إنها تبدأ أحيانًا من تفاصيل صغيرة نتسامح معها كل يوم، حتى تأتي لحظة واحدة تجمع كل ذلك الإهمال في مشهد مأساوي.
القاطرة ليست سيارة عادية.
إنها مركبة ثقيلة، لها زوايا عمياء ومسافة توقف وحركة تحتاج إلى مساحة وتنظيم.
فكيف يصبح وجودها وسط الزحام أمرًا طبيعيًا؟
وأين المسارات الآمنة للمشاة؟
وأين تنظيم حركة الشاحنات؟
وأين الرقابة على الوقوف العشوائي؟
وأين رجل المرور حين تكون المدينة في أكثر لحظاتها اختناقًا؟
هذه ليست أسئلة للترف.
هذه أسئلة عن أرواح.
المؤلم أننا اعتدنا الموت حتى أصبح خبر الحادث يمر في هواتفنا أسرع من مروره في ضمائرنا.
نقرأ:
"حادث مؤسف."
ثم نضع هاتفنا جانبًا.
بعد ساعات تعود الحياة إلى طبيعتها.
وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن هناك بيتًا لم تعد حياته إلى طبيعتها.
هناك عائلة ستتعلم من اليوم كيف يكون غياب شخص واحد ثقيلًا إلى هذا الحد.
هناك كرسي سيبقى فارغًا.
وصوت لن يُسمع.
وهاتف لن يرن بالطريقة نفسها.
لهذا، لا يجوز أن يكون الحل بعد كل حادث هو نشر الصور، وتبادل عبارات الحزن، ثم انتظار الحادث التالي.
الحوادث لا تحتاج إلى رثاء فقط… تحتاج إلى مراجعة.
نحتاج إلى مرور حاضر.
إلى تنظيم حقيقي.
إلى طرق مصممة للناس لا للفوضى.
إلى رقابة لا تظهر بعد الكارثة، بل تمنعها قبل أن تقع.
وإذا أثبت التحقيق مسؤولية سائق أو مخالفة محددة، فليتحمل المخطئ مسؤوليته كاملة.
لكن لا تجعلوا البحث عن شخص واحد ذريعة لعدم البحث عن بقية الأسباب.
فالمسؤولية لا ينبغي أن تتوقف عند يدٍ أمسكت بمقود.
أحيانًا تكون هناك أيادٍ غائبة كان يجب أن تكون موجودة قبل وقوع الحادث.
يدٌ تنظم.
ويدٌ تراقب.
ويدٌ تمنع.
ويدٌ تحاسب.
الرجل الذي رحل اليوم لن يعود.
وهذا هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن إصلاحه.
لكن يمكن أن نمنع أن يكون رحيله مجرد رقم جديد في سجل الحوادث.
يمكن أن نجعل من موته سؤالًا لا ينام:
كم إنسانًا يجب أن يموت في طرقاتنا حتى نفهم أن الفوضى المرورية ليست فوضى فقط… بل خطرٌ يملك موعدًا مع كل واحد منا؟
رحم الله من رحل.
وربط على قلوب أهله.
أما نحن، فعلينا ألا نكتفي بالحزن.
فالحزن الذي لا يغيّر شيئًا… يتحول مع الوقت إلى عادة.
وما نحتاجه اليوم ليس عادة جديدة في البكاء.
بل بداية جديدة في المسؤولية.
أ. سارة عبدالحكيم