ثمة أوجاع لا تحتاج إلى كثير من الكلام، بل تحتاج إلى أن نترك لها مكانًا كي تتنفس.
وثمة لحظات في حياة الإنسان يصبح فيها الصمت أبلغ من كل عبارات المواساة، ويصبح الحضور الحقيقي ليس في كثرة الواقفين حوله، وإنما في مقدار ما يتركونه لقلبه من مساحة كي يفهم ما حدث.
عرفت ذلك حين فقدت أبي.
في اللحظة التي غاب فيها، لم أكن أبحث عن تفسير للموت، ولا عن كلمات تستطيع أن تعيد ترتيب الفوضى التي سقطت في داخلي.
كنت فقط أحاول أن أستوعب.
أن أصدق أن الرجل الذي اعتدت أن يكون موجودًا، صار غيابًا.
أن المكان الذي كان يحمل صوته، سيظل بعده صامتًا.
أنني لن أراه يدخل، ولن أسمع نبرته، ولن أستطيع أن أؤجل فكرة الفقد إلى الغد كما كنت أفعل في داخلي.
كنت أحتاج إلى لحظة واحدة فقط...
لحظة أستطيع فيها أن أجلس مع الحقيقة الجديدة دون أن يقطعها أحد.
لكن في مجتمعاتنا، تعوّدنا أن نواجه الموت بكثرة الحضور.
نظن أن امتلاء المكان يخفف وحشته، وأن كثرة الوجوه حول أهل الفقيد هي دليل الوفاء، وأن بقاء الناس قريبين منهم هو شكل من أشكال المواساة.
وربما يكون ذلك صادقًا في نواياه.
لكن النوايا الطيبة لا تعني دائمًا أن الطريقة هي الأرحم.
فأهل الميت في الساعات والأيام الأولى لا يعيشون حدثًا اجتماعيًا.
إنهم يعيشون صدمة.
يعيشون لحظة تتغير فيها أشياء كثيرة داخلهم دفعة واحدة.
هم لا يزالون يحاولون فهم معنى أن يصبح شخص كان جزءًا من تفاصيل يومهم مجرد ذكرى.
ولهذا، ربما لا يحتاجون دائمًا إلى مزيد من الأصوات حولهم.
ربما يحتاجون إلى الصمت.
إلى أن يبكوا دون أن يشعروا بأن عليهم أن يتماسكوا أمام الآخرين.
إلى أن يجلس أحدهم وحده، يتذكر فقيده، ويستوعب شيئًا فشيئًا أن الغياب هذه المرة ليس مؤقتًا.
نحن أحيانًا نخاف من صمت أهل الميت، فنملأ المكان بالحضور والكلام.
وكأننا نعتقد أن كثرة الناس تمنع الحزن من الانهيار.
لكن الحزن لا يحتاج إلى أن نمنعه.
الحزن يحتاج أن يُعاش.
أن يجد طريقه إلى الدموع.
أن يُقال أحيانًا دون كلمات.
وأن يُترك لصاحبه كي يمر به كما يستطيع.
لذلك، ربما علينا أن نعيد التفكير في معنى المواساة.
فليست المواساة دائمًا أن نبقى طويلًا.
وليست أن نملأ المكان.
وليست أن نسأل أهل الفقيد عشرات الأسئلة وهم بالكاد يستطيعون الإجابة عن السؤال الأصعب في حياتهم:
كيف حدث هذا؟
ربما تكون المواساة الأعمق أن نحضر بقلوبنا، ثم ننسحب برفق.
أن نقول لأهل الميت: نحن بجانبكم، ثم نترك لهم مساحة ليكونوا مع أنفسهم.
أن ندرك أن الإنسان في لحظات الفقد لا يحتاج إلى أن يكون اجتماعيًا.
لا يحتاج إلى أن يستقبل أحدًا.
ولا إلى أن يشرح وجعه.
ولا إلى أن يبدو قويًا.
إنه يحتاج فقط إلى أن يكون مكسورًا دون أن يشعر أن عليه إخفاء انكساره.
لقد علّمتني وفاة أبي أن هناك فرقًا كبيرًا بين الحضور الذي يواسي، والحضور الذي لا يترك للحزن مكانًا.
وأنا لا أكتب هذا لألوم أحدًا.
فكل من يأتي إلى بيت الفقيد يأتي غالبًا بقلب يريد الخير، وبنية يريد بها أن يقول: لسنا بعيدين عنكم.
لكن ربما حان الوقت لأن نفهم أن الحب لا يُقاس دائمًا بالقرب الجسدي.
أحيانًا يكون الحب في أن تأتي، وتدعو، وتحتضن، ثم تترك للمنكوب مساحة يعود فيها إلى نفسه.
فثمة لحظات لا يحتاج فيها الإنسان إلى أحد كي يتحدث إليه...
بل يحتاج إلى أن يسمع داخله.
أن يسمع صوته وهو ينادي من رحل.
أن يبكيه.
أن يتذكره.
أن يصدّق غيابه بالتدريج.
لأن الفقد لا يدخل القلب دفعة واحدة.
نحن نعرف خبر الموت في لحظة، لكننا نتعلم الغياب على مهل.
ولهذا...
اتركوا لأهل الفقيد شيئًا من الصمت.
فربما كان ذلك الصمت هو المساحة الوحيدة التي يستطيعون فيها أن يلتقوا بحزنهم دون أن يضطروا إلى إخفائه.
وربما كانت أجمل مواساة أحيانًا...
أن نحضر قليلًا، ونترك أثرًا كبيرًا، ثم نرحل بهدوء.
لأن بعض القلوب، حين تفقد من تحب، لا تحتاج إلى مزيد من الحضور...
بل تحتاج فقط إلى مكانٍ يتسع لغيابٍ لا يتسع له شيء.
رسالتي للمجتمع: ارحموا أهل الفقد من عاداتٍ قد تُثقل وجعهم؛ فليس كل حضورٍ مواساة، وأحيانًا يكون أصدق العزاء أن نترك للحزن مساحته.
— سارة عبد الحكيم