لم يعد ما تشهده العاصمة عدن من إغلاق متزايد للمشاريع الاستثمارية والتجارية مجرد ظاهرة اقتصادية عابرة يمكن تجاهلها أو التعامل معها بالصمت بل أصبح جرس إنذار خطيرا يكشف حجم الاختلالات التي تضرب النشاط الاقتصادي وتدفع بالمواطن اليمني إلى مزيد من الفقر والعجز عن تأمين أبسط احتياجاته اليومية .
ففي الآونة الأخيرة تتزايد حالات إغلاق المستشفيات والمطاعم والمحلات التجارية والمصانع والمشاريع الصغيرة والمتوسطة وهي منشآت كانت تمثل شريانا مهما للحياة الاقتصادية وتوفر آلاف فرص العمل وتحرك الأسواق وتدعم أسرا تعيش من دخل هذه المشاريع .
لكن عندما يغلق المستثمر مشروعه فإنه لا يخسر وحده العامل يفقد وظيفته والأسرة تفقد مصدر دخلها والسوق يفقد جزءا من نشاطه والمواطن يدفع الثمن في النهاية .
إن الاستثمار لا يمكن أن ينمو في بيئة يسودها التعقيد الإداري وتعدد الجهات والجبايات والقرارات المتضاربة وانعدام الاستقرار وضعف الحماية القانونية المستثمر يبحث عن بيئة آمنة ومستقرة وقوانين واضحة وإجراءات شفافة وإدارة مسؤولة تحمي النشاط الاقتصادي ولا تخنقه .
أما عندما تتحول بيئة الاستثمار إلى سلسلة لا تنتهي من العراقيل والأعباء فإن رأس المال يبحث عن مكان آخر والمشروع يغلق أبوابه والعمال يفقدون وظائفهم وتزداد البطالة وتتراجع الحركة التجارية وتتسع دائرة الفقر .
المواطن الذي لم يعد يجد قوت يومه والأسرة التي أصبحت عاجزة عن توفير احتياجاتها الأساسية والشاب الذي يبحث عن فرصة عمل فلا يجدها والعامل الذي يفقد مصدر دخله مع كل مشروع يغلق أبوابه هؤلاء جميعا ليسوا مسؤولين عن صناعة هذه الأزمة لكنهم يتحملون نتائجها يوما بعد آخر .
لقد وصل الوضع المعيشي إلى مرحلة خطيرة لم يعد معها مقبولا الاكتفاء بالتصريحات والوعود والمعالجات المؤقتة الجوع لا ينتظر والبطالة لا تنتظر وانهيار القدرة الشرائية لا ينتظر ومعاناة الناس لا تحتمل مزيدا من التأجيل .
إن استمرار إغلاق المشاريع في عدن يعني عمليا تقليص فرص العمل وإضعاف القطاع الخاص وتراجع الإنتاج والخدمات وزيادة الاعتماد على اقتصاد هش وهو ما ينعكس مباشرة على الاستقرار الاجتماعي الفقر والبطالة وانسداد الأفق ليست مجرد أرقام اقتصادية إنها قنابل اجتماعية موقوتة .
ومن هنا، فإن الجهات المسؤولة مطالبة اليوم بمراجعة شاملة وجادة لبيئة الاستثمار في العاصمة عدن ومعرفة الأسباب الحقيقية وراء إغلاق هذه المشاريع ووضع حد لأي جبايات أو ممارسات غير قانونية وتوحيد الإجراءات ومكافحة الفساد الإداري والمالي وتوفير الحماية القانونية للمستثمرين وفتح حوار مباشر مع القطاع الخاص لمعالجة المشكلات بدلا من ترك المشاريع تنهار واحدا تلو الآخر كما أن حماية المستثمر ليست امتيازا يمنح لرجل الأعمال بل هي حماية للاقتصاد وفرص العمل ومصادر دخل آلاف الأسر .
عدن ليست بحاجة إلى مزيد من الشعارات وإنما بحاجة إلى قرارات اقتصادية شجاعة وإدارة كفؤة وقوانين تطبق على الجميع وبيئة استثمارية تعيد الثقة إلى رأس المال المحلي وتفتح الباب أمام المستثمرين بدلا من دفعهم إلى المغادرة .
لقد أصبح من الضروري أن يدرك الجميع أن لقمة عيش المواطن خط أحمر وأن استمرار تدهور الوضع الاقتصادي والمعيشي دون حلول جادة قد يقود إلى نتائج اجتماعية خطيرة يصعب احتواؤها .
فالمواطن اليمني لا يريد المستحيل يريد أن يعمل وأن يجد دخلا يحفظ كرامته وأن يستطيع شراء الطعام والدواء وأن يؤمّن مستقبل أبنائه .
أما أن تغلق المشاريع أبوابها وتضيق فرص العمل وترتفع الأسعار وتتراجع القدرة الشرائية ثم يطلب من المواطن أن يتحمل المزيد فهذا ليس حلا بل استمرار للأزمة وترحيل للانفجار الاجتماعي إلى المستقبل .
إنقاذ الاقتصاد وحماية المشاريع وفتح فرص العمل لم تعد قضايا قابلة للتأجيل بل أصبحت مسؤولية وطنية عاجلة وإذا استمر النزيف الاقتصادي في عدن واليمن عموما فإننا لا نتحدث بعد اليوم عن أزمة معيشية عابرة بل عن كارثة اقتصادية وإنسانية تتشكل أمام أعين الجميع .
والسؤال الذي سيبقى مطروحا أمام صانع القرار :
إلى متى سيظل المواطن اليمني يدفع ثمن أخطاء السياسات والقرارات بينما لا يجد حتى قوت يومه ؟
إن الوقت لم يعد وقت التبرير بل وقت المراجعة والمحاسبة والإصلاح واتخاذ القرار قبل فوات الأوان .