كلما اقتربت ماكينة الإصلاح من الملفات المغلقة، ارتفع صوت التعطيل. وكلما اقتربت يد الإصلاح من مكامن الخلل، خرجت أصوات تطالب بإيقاف الإصلاح نفسه.
وهنا تحديدًا تكمن الحكاية.
تعيش العاصمة المؤقتة عدن مخاضًا عسيرًا يكشف يومًا بعد يوم زيف الشعارات وسقوط الأقنعة أمام اختبار الواقع الخدمي والمعيشي. لقد تحول الشارع العدني في محطات كثيرة إلى ساحة مستباحة لخدمة أجندات سياسية ضيقة، يتسيدها من يُعرفون بـ«كتيبة التعطيل»، والذين لا تهزهم مأساة المدينة قدر ما تهزهم مصالحهم الشخصية والامتيازات التي راكموها على حساب أنين المواطنين.
ويبدو مبلغ العشرين ألف ريال الذي يُنفق لتحريك الحشود والحفاظ على حالة الشلل المؤسسي زهيدًا للوهلة الأولى مقارنة بحجم الكارثة الإنسانية، لكنه يصبح مرعبًا حين يتحول إلى سلاح لتخريب أي مسار جاد لإعادة البناء، حيث وُظفت أدوات رخيصة للحشد وإثارة الفوضى كلما لاح في الأفق بارقة أمل أو خطوة حقيقية لانتشال قطاع خدمي أنهكته الفوضى.
والمفارقة المؤلمة تكمن في التناقض الصارخ في مواقف هذه الكتيبة. فعندما كانت عدن تغرق في ظلام دامس لسنوات طويلة، وتكتوي أسر بأكملها بمرارة انقطاع الكهرباء وشح المياه وتأخر الرواتب، صمتت هذه الحناجر تمامًا، بل بررت الفشل باتهامات سياسية واهية تزعم وجود مؤامرات خارجية لخنق المدينة.
أما اليوم، وبعد تولي المهندس عدنان الكاف وزارة الكهرباء، وقيادته حراكًا جادًا لإصلاح القطاع وفتح الملفات المغلقة ومواجهة الاختلالات المتجذرة، تعالت أصوات الصراخ وخرجت الحشود لعرقلة هذا المسار.
إن الهجمة المنسقة ضد وزير الكهرباء لا تستهدف الشخص بقدر ما تستهدف الإصلاح الحقيقي بحد ذاته. فقد أدرك أصحاب المصالح والفساد أن أي إصلاح جاد يعني بالضرورة قطع دابر العبث وانتهاء امتيازاتهم غير المشروعة.
ومن هنا تتكشف المعادلة العبثية: فعندما تنطفئ الكهرباء تمامًا، يدّعون المطالبة بالإصلاح، وعندما يتحرك المسؤول الفعلي لإنقاذ القطاع، يطالبون بالتوقف وإسقاط الرجل.
وهذا التناقض الفاضح يثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن المعركة لم تكن يومًا من أجل المواطن أو لعيون عدن، وإنما هي معركة بقاء لمراكز قوى اعتادت الاقتيات على الأزمات وإغراق المدينة في الفوضى.
ولا يمكن لعدن أن تنهض وتتعافى وهي أسيرة لثقافة الابتزاز وتعطيل المؤسسات، لأن المعركة الحقيقية اليوم ليست على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، ولا أمام بوابات الوزارات للتشويش على العمل الحكومي، بل هي معركة الشفافية ومحاسبة المفسدين.
ويتطلب الواقع الراهن التفريق الواضح بين النقد البناء الذي يُقوّم الأداء، وبين التخريب المتعمد الهادف إلى إفشال أي محاولة إنقاذ. ويجب أن يكون تقييم أي مسؤول عبر النتائج الفعلية على الأرض، بعد إتاحة الفرصة له للعمل، لا عبر محاصرته وإجهاضه قبل أن يضع حجر الأساس للإصلاح.
لقد تجاوزت عدن مرحلة الاحتمال، ولم تعد تحتمل مزيدًا من العبث المتمثل في كتائب التعطيل. فالبناء الحقيقي يتطلب شجاعة المواجهة ودعم كل خطوة جريئة تضع حدًا للفوضى وتستعيد هيبة الدولة ومؤسساتها.
وفي نهاية المطاف، يجب أن تسقط كل الحسابات الضيقة، ولا ينتصر سوى عدن وحدها.
ولهذا، نصيحتي للجميع:
ادعموا صُنّاع التغيير، ولا تخسروا من يريد إصلاح هذا القطاع.
قفوا خلف كل مسؤول يحاول فتح الملفات المغلقة، وإعادة بناء المؤسسات، ووضع حد للفوضى.. لا تخسروا من يحاول الإصلاح. وإذا كان ثمن الإصلاح أن يخسر بعض أصحاب المصالح امتيازاتهم، فليكن.. لأن المعركة في النهاية ليست معركة أشخاص، وليست معركة أحزاب، ولا معركة وزراء.
إنها معركة عدن.
ولهذا، لا تحتاج عدن اليوم إلى كتيبة تعطيل جديدة، وإنما تحتاج إلى كتيبة إصلاح، وما يجب أن ينتصر في النهاية ليس الأشخاص، ولا الأحزاب، ولا المصالح... بل عدن وحدها.