آخر تحديث :الأحد-16 أغسطس 2026-10:38م

المخا.. قصة الميناء اليمني الذي ربط الشرق بالغرب ودخل حسابات القوى الكبرى

الأحد - 16 أغسطس 2026 - الساعة 07:13 م
محمد العياشي


قبل أن يصبح اسم المخا مرتبطاً بالبن الذي حمل اسمها إلى أسواق العالم، كانت المدينة واحدة من أهم العقد التجارية على البحر الأحمر، ومقصداً للتجار القادمين من آسيا وإفريقيا وأوروبا، ومحطة تتقاطع عندها طرق السلع والبشر والأفكار.

وفي أرشيفات هولندية بعيدة عن اليمن، وجد الباحث الهولندي الراحل كيس براور وثائق وقرائن أعادت رسم صورة مختلفة لهذه المدينة؛ صورة لا تختزلها في ميناء لتصدير البن، بل تكشفها بوصفها جزءاً من شبكة تجارية واسعة ربطت البحر الأحمر بالمحيط الهندي والأسواق الأوروبية.

وفي إعادة نشر هذه المادة التي سبق نشرها ضمن سلسلة «المستشرقون واليمن» على منصة «يمن ديلي نيوز»، نستحضر تجربة براور البحثية بالنظر إلى ما تمثله المخا من أهمية في التاريخ الاقتصادي والسياسي لليمن، وإلى ما تكشفه أعماله عن موقع البلاد في حركة التجارة والنفوذ الدولي خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر.

من أمستردام إلى ضفاف البحر الأحمر

وُلد كيس براور في أمستردام عام 1936، وتلقى تعليمه العالي في جامعتها، حيث نال درجة الماجستير في اللغة والأدب الهولندي. لكنه لم يتوقف عند هذا التخصص، واتجه لاحقاً إلى دراسة اللغة العربية وتاريخ العصور الوسطى، ليقوده ذلك إلى مشروع بحثي طويل حول تاريخ اليمن وعلاقاته بالعالم الخارجي.

وعاش براور فترة في القاهرة برفقة عائلته، حيث انكب على دراسة المخطوطات العربية واليمنية. وخلال هذه الرحلة البحثية، لاحظ فجوة في المصادر التاريخية التقليدية؛ إذ ركزت نسبة كبيرة من الكتابات الكلاسيكية على الجوانب السياسية والعسكرية والثقافية، في حين حظيت تفاصيل الحياة الاقتصادية واليومية باهتمام أقل.

وكان ذلك مفهوماً في سياق المصادر التي ارتبط عدد من مؤلفيها بالبلاط الحاكم، سواء في العهد العثماني أو خلال فترات الحكم الإمامي، الأمر الذي جعل النشاط التجاري وحياة الموانئ والأسواق أقل حضوراً في بعض السرديات التاريخية.

ودفع هذا النقص براور إلى البحث عن مصادر موازية في الأرشيفات الأوروبية، ولا سيما الوثائق الهولندية المتعلقة بالتجارة في البحر الأحمر والمحيط الهندي. وارتبط مشروعه الأكاديمي بدراسة تاريخ ميناء المخا وعلاقته بشركة الهند الشرقية الهولندية، مقدماً من خلال الوثائق التجارية والإدارية قراءة مختلفة لدور المدينة في التاريخ اليمني والعالمي.

لماذا اختار براور الاقتصاد البحري مدخلاً لقراءة اليمن؟

انطلق براور من اهتمام خاص بالحياة الاقتصادية وحركة التجارة، باعتبارهما مدخلاً لفهم حياة المجتمعات وعلاقاتها بالعالم الخارجي. ولذلك وجه جانباً كبيراً من أبحاثه نحو الاقتصاد البحري والعلاقات التجارية التي ربطت اليمن بالهند وإندونيسيا والبنغال وسوريا والصومال وإثيوبيا، وغيرها من المناطق المتصلة بشبكات التجارة في البحر الأحمر والمحيط الهندي.

وخلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، لم تكن المخا مجرد منفذ لتصدير البن اليمني الذي اكتسب شهرة واسعة، وإنما كانت مركزاً تتقاطع فيه سلع قادمة من مناطق مختلفة. فقد شهد الميناء تداول التوابل والمنسوجات الهندية الفاخرة، إلى جانب الحديد والنحاس والخزف الصيني والمواد العطرية، فضلاً عن تجارة الرقيق التي كانت جزءاً من شبكات التجارة الدولية في ذلك العصر.

وتكشف حركة بعض السلع عن مدى تعقيد تلك الشبكات؛ فكان الخزف الصيني، على سبيل المثال، ينتقل عبر سفن مرتبطة بشبكات التجارة الآسيوية إلى سواحل الهند، ثم يعاد شحنه إلى موانئ أخرى قبل أن يصل إلى المخا، ومنها إلى موانئ البحر المتوسط والأسواق الأوروبية. وبذلك لم تكن المخا نهاية طريق تجاري محلي، وإنما حلقة في شبكة بحرية أوسع تتجاوز حدود اليمن والمنطقة.

المخا.. حين دخل الميناء حسابات القوى الكبرى

لم تكن أهمية المخا تجارية فقط. فموقعها على البحر الأحمر جعلها جزءاً من واحد من أهم الممرات التي تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر، في مرحلة كانت فيها طرق التجارة البحرية موضع تنافس بين القوى الدولية والإقليمية.

ومع وصول العثمانيين إلى المنطقة في القرن السادس عشر، كان البحر الأحمر مسرحاً للتنافس مع البرتغاليين الذين سعوا إلى توسيع نفوذهم في طرق التجارة البحرية. وفي هذا السياق، اكتسبت الموانئ اليمنية أهمية تتجاوز وظيفتها التجارية المباشرة، إذ أصبحت السيطرة على حركة السفن والسلع جزءاً من حسابات النفوذ والأمن البحري.

وتقدم المقارنة بين عدن والمخا صورة مهمة عن التحولات التي شهدتها الموانئ اليمنية. فقد تحولت عدن، مع الحملة العثمانية عام 1538، إلى قاعدة عسكرية في مواجهة البرتغاليين، وتراجع دورها التجاري الدولي مقارنة بمراحل سابقة، بينما برزت المخا بوصفها أحد أهم المراكز التجارية على البحر الأحمر.

وكان هذا التحول سبباً في جذب شركة الهند الشرقية الهولندية، التي تأسست عام 1602 وأصبحت من أقوى الشركات التجارية في العالم آنذاك. وفي عام 1614 أرسلت الشركة رحلة استكشافية إلى عدن، قبل أن تتجه أنظارها إلى المخا، حيث أنشأت عام 1616 محطة تجارية دائمة استمر وجودها نحو قرن ونصف، وفق ما توثقه الدراسات المرتبطة بتاريخ الشركة في اليمن.

ولم يقتصر نشاط التجار الهولنديين على الميناء، إذ سُمح لهم بالسفر إلى الداخل اليمني. ويلفت براور إلى أن التاجر الهولندي بيتر فند بروخه التقى بالحاكم العثماني المعروف بـ«بلر بك» في صنعاء، وحصل على ترخيص للتجارة في المخا.

كما حفظ الهولنديون في دفاترهم ومراسلاتهم تفاصيل دقيقة عن المدينة، شملت معلومات عن البيوت والمدافع والسفن والأسعار والرسوم الجمركية، فضلاً عن جوانب من الهيكل الإداري والحياة التجارية. وتكتسب هذه الوثائق أهمية خاصة لأنها تقدم صورة عن المخا من زاوية تجار وموظفين أجانب كانوا يتعاملون معها بوصفها جزءاً من شبكة تجارية دولية.

حين تكشف الوثيقة الأجنبية تفاصيل المدينة اليمنية

اعتمد براور في أبحاثه على الجمع بين مصادر مختلفة، فلم يكتف بالوثائق الأوروبية، بل وضعها في مواجهة المصادر العربية واليمنية، مستفيداً من كتابات مؤرخين يمنيين، بينهم طيحي بن الحسين والموزعي.

وفي المقابل، شكلت الوثائق الهولندية المحفوظة في الأرشيف القومي بمدينة لاهاي مصدراً مكملاً سمح له بتتبع تفاصيل تتعلق بالتجارة والموانئ وحركة السفن والسلع والعلاقات بين التجار والسلطات.

ولم يكتف براور بالبحث في المكتبات والأرشيفات، بل زار اليمن ميدانياً عام 1976، وجاب عدداً من مدنه وقراه، وصولاً إلى صعدة وتهامة، في محاولة لربط الوثيقة التاريخية بالمكان الذي شهد الأحداث التي تتحدث عنها.

وكانت نتيجة هذا المنهج مجموعة من الدراسات والكتب التي أصبحت مراجع مهمة في دراسة العلاقات اليمنية الأوروبية والتاريخ التجاري للمخا، من بينها «العلاقات الهولندية–اليمنية 1600–1900» الصادر عام 1994، و«وثائق هولندية عن اليمن في القرن السابع عشر» الصادر عام 1997، إضافة إلى دراسة «المخا: لمحة عن ميناء يمني كما صوره موظفو شركة الهند الشرقية 1614-1640» المنشورة عام 1998.

السفن لم تكن تحمل البضائع وحدها

لم يتوقف منظور براور عند الأرقام والوثائق التجارية، بل نظر إلى التجارة باعتبارها أحد مسارات التفاعل الحضاري بين الشعوب. فحركة السفن والبضائع كانت، في قراءته، مصحوبة بحركة البشر والأفكار والثقافات والمعارف.

وفي هذا السياق، أشار إلى أن الهجرة الحضرمية إلى إندونيسيا لم تكن مجرد حركة تجارية، وإنما أسهمت كذلك في انتقال الثقافة والعلوم والدعوة الإسلامية. ومن المنظور نفسه، يمكن قراءة سفن المخا باعتبارها فضاءً للتواصل بين مجتمعات مختلفة، حملت معها إلى جانب السلع أنماطاً من المعرفة والعادات والأفكار.

وهنا تتجاوز قصة المخا حدود الميناء والسلع؛ فالميناء الذي استقبل التجار الآسيويين والأوروبيين لم يكن مجرد نقطة لتبادل البضائع، بل كان مساحة تتقاطع فيها مصالح اقتصادية وثقافية وسياسية، وهو ما يفسر استمرار اهتمام القوى التجارية الكبرى به خلال تلك المرحلة.

براور.. وإعادة وضع اليمن على الخريطة

رحل البروفيسور كيس براور في 18 يناير 2026، تاركاً إرثاً بحثياً أسهم في إعادة قراءة جانب من تاريخ اليمن من زاوية مختلفة، وجعل الموانئ والتجارة والحياة الاقتصادية جزءاً أساسياً من فهم موقع البلاد في محيطها الإقليمي والدولي.

ولعل القيمة الأبرز في مشروعه أنه لم يتعامل مع اليمن باعتباره هامشاً جغرافياً معزولاً، وإنما بوصفه جزءاً فاعلاً من شبكة واسعة ربطت البحر الأحمر بالمحيط الهندي والأسواق الآسيوية والأوروبية.

وبينما تبدلت خرائط التجارة والنفوذ خلال القرون الماضية، بقيت المخا شاهداً على حقيقة كثيراً ما يغفلها السرد اليمني المعاصر: أن موقع اليمن لم يكن يوماً هامشياً في حركة العالم.

وما كشفه براور في الأرشيفات الهولندية لا يمثل بالضرورة نهاية القصة، بل ربما بدايتها؛ فما تزال وثائق الموانئ والطرق التجارية والهجرات والعلاقات اليمنية مع العالم تخفي فصولاً كثيرة لم تُقرأ بعد.

ولذلك فإن استعادة تاريخ المخا ليست مجرد عودة إلى الماضي، بل محاولة لفهم موقع اليمن في خرائط التجارة والنفوذ التي صنعت جزءاً من تاريخ العالم. فالميناء الذي ارتبط اسمه بالبن كان، في زمن سابق، واحداً من الممرات التي عبرت منها السلع والأفكار والمصالح بين الشرق والغرب، ودخلت بسببها مدينة يمنية صغيرة في حسابات قوى كبرى تتجاوز حدود المنطقة.