ثمة مشاهد لا ينبغي أن تمر أمامنا كخبر عابر؛ لأنها تحمل في داخلها من الدلالات أكثر مما تحمل من التفاصيل.
ومن هذه المشاهد أن تتحول الملاعب، التي اعتدنا أن نراها مكتظة بالجماهير في المنافسات الرياضية، إلى ساحات تحتفي بحفظة كتاب الله، وأن تتزاحم فيها الأجيال لا لمشاهدة مباراة، وإنما للاحتفاء بأطفال وشباب ونساء جعلوا القرآن رفيقًا لقلوبهم، ونورًا لطريقهم.
ففي تاريخ ( 6/ 8 / 2026م ) كان المشهد لافتًا في محافظة الأنبار إذ احتضن ملعب الرمادي احتفالًا جماهيريًا كبيرًا بمناسبة ختام الموسم الثالث من مسابقة «أجيال القرآن»، برعاية رئيس مجلس المحافظة المهندس عمر مشعان دبوس، وبمشاركة أكثر من خمسة آلاف حافظ وحافظة في الحفل، فيما تجاوز عدد المشاركين في المسابقة تسعة آلاف متسابق ومتسابقة..
واكتضت مدراجات الملعب بعشرات
الآلاف من المتفرجين .
ولم تكن الأنبار وحدها في هذا المشهد؛ فظاهرة الاحتفاء بحفظة القرآن على نطاق جماهيري واسع تتكرر في بلدان إسلامية متعددة، بما يعكس حضور القرآن المتجدد في حياة الأجيال، وإن اختلفت أماكن الاحتفال وأشكاله من بلد إلى آخر.
ولعل السؤال الأهم هنا ليس: لماذا احتشد هؤلاء الآلاف؟
بل: ماذا يعني أن يعود القرآن إلى واجهة المشهد الاجتماعي بهذا الزخم؟
لقد كان القرآن في صدر الإسلام أكثر من كتاب يُتلى، وأبعد من نص يُحفظ؛ كان مشروعًا لصناعة الإنسان.
به نُقل الإنسان العربي من عصبية القبيلة إلى أخوة العقيدة، ومن عبادة البشر والحجر إلى عبادة الله، ومن الفوضى الأخلاقية إلى منظومة العدل والرحمة والمسؤولية.
لقد صنعت آياته ذلك الجيل الفريد الذي حمل القرآن في صدره، وحمله في أخلاقه وسلوكه ومواقفه؛ فإذا به خلال عقود قليلة ينتقل من أطراف الجزيرة العربية إلى قلب العالم، ويقيم دولة وحضارة، ويهزم في طريقه قوتين عظميين كانتا تتقاسمان النفوذ في ذلك الزمان: ( الإمبراطورية الفارسية الساسانية )و
( الإمبراطورية البيزنطية.)
لم تكن المسألة يومها كثرة عدد ولا وفرة إمكانات...
كانت المسألة إنسانًا أعاد القرآن بناءه.
ولهذا فإن المشهد الذي نراه اليوم في الأنبار وغيرها من البلدان يستحق أن يُقرأ من هذه الزاوية.
فهذا الإقبال على حفظ القرآن في زمن تتسارع فيه الحياة، وتتسع فيه دوائر الماديات، وتتنافس فيه الشاشات على عقول الأطفال والشباب..... ليس أمرًا قليل الدلالة.
إنه يقول إن في أعماق هذه الأجيال ظمأً إلى المعنى، وحاجة إلى الثبات، وحنينًا إلى مرجعية أخلاقية لا تتبدل كلما تبدلت الموضات والأفكار.
والقرآن لا يمنح الإنسان محفوظات يرددها فحسب؛ وإنما يمنحه إذا انتقل من اللسان إلى القلب ومن القلب إلى السلوك...
يمنحه ميزانًا يزن به الأشياء، وبوصلة يهتدي بها في عالم كثير الاتجاهات.
قال تعالى:
﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.
وهنا تحديدًا تظهر قيمة أن تتبنى الدولة، أو السلطة المحلية، مثل هذه الاحتفاليات.
فحين يقف المحافظ بين حفظة القرآن، ويرعاهم ويكرمهم.....
فإن الرسالة لا تتوقف عند حدود التكريم؛ بل تقول للمجتمع إن حفظ القرآن قيمة اجتماعية تستحق الاحتفاء، وإن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء الحجر.
وهذا ما يجعل تجربة الأنبار جديرة بالتأمل...
فالملعب الذي كان فضاءً للرياضة أصبح في ذلك اليوم فضاءً للقرآن، والجمهور الذي اعتاد أن يصفق للهدافين وجد نفسه يكبر لحفظة كتاب الله.
يا لها من صورة رمزية بليغة!!!!
أن يصبح حافظ القرآن نجمًا في مجتمعٍ لا يكتفي بصناعة نجوم الملاعب والشاشات.
لكن الأهم من الاحتفال بالحفظة هو أن ننتقل من حفظ القرآن إلى الحياة بالقرآن.
فليس المجد أن تحفظ الأمة القرآن في صدورها ثم تخالفه في حياتها؛ وإنما المجد أن يتحول القرآن إلى إنسان، والإنسان إلى مجتمع، والمجتمع إلى حضارة.
لقد فعلها القرآن مرة.
فصنع من أولئك الأعراب أمةً صنعت التاريخ، ومن جيلٍ كان يعيش على هامش العالم جيلًا وقف في قلبه، حتى انحسر أمامه سلطان الفرس والروم.
واليوم : ونحن نرى هذه الملاعب تمتلئ بحفظة القرآن في الأنبار وغيرها، لا ينبغي أن نكتفي بالتكبير للمشهد... بل ينبغي أن نسأل أنفسنا:
هل يمكن أن يكون هذا الإقبال بداية نهضة جديدة؟
هل يمكن أن نعيد اكتشاف القرآن لا بوصفه كتابًا للحفظ فحسب، وإنما بوصفه كتابًا لبناء الإنسان؟
هل يمكن أن نربي جيلًا يحفظ القرآن كما حفظه السابقون، ويعيش أخلاقه كما عاشوها، ويجعل منه منهجًا في العلم والعمل والعدل والعمران؟
إننا لا نحتاج إلى أن نعيد الماضي بصورة الماضي.....
ولكننا أحوج ما نكون إلى أن نستعيد روح ذلك الماضي.
روح الإنسان الذي يعرف لماذا يعيش.
وروح المجتمع الذي يجعل الأخلاق أساس القوة.
وروح الأمة التي لا تفصل بين الإيمان والعلم، ولا بين العبادة والعمران، ولا بين حفظ النص وصناعة الحضارة.
ولذلك فإن مشهد الآلاف من حفظة القرآن في ملعب الأنبار ليس مجرد احتفال....
......... إنه رسالة
رسالة إلى الأجيال بأن القرآن ما زال حيًا في الأمة.
ورسالة إلى المؤسسات والدول بأن رعاية حفظة القرآن ليست ترفًا دينيًا، بل استثمار في الإنسان.
ورسالة إلينا جميعًا بأن المجد الذي صنعه القرآن في صدر الإسلام لم يكن معجزة تاريخية انتهت؛ وإنما كان نتيجة طبيعية لجيلٍ فهم القرآن، وحفظه، وعاشه.
ومن يدري...
لعل الملاعب التي تحتضن اليوم احتفالات حفظة القرآن تكون شاهدًا على ولادة جيل جديد......
جيل لا يريد أن يكتفي بأن يحمل القرآن في صدره، بل يريد أن يحمله في ضميره، وأخلاقه، وعلمه، وعمله، ومشروعه الحضاري.
وعندها فقط...
لن يكون الاحتفال بحفظة القرآن احتفالًا بالماضي، وإنما احتفالًا بالمستقبل.