آخر تحديث :الأحد-16 أغسطس 2026-11:11ص

الثقة بين الشعب والقيادات .. النموذج العربي: قراءة نقدية

الأحد - 16 أغسطس 2026 - الساعة 10:23 ص
د. جمال الهاشمي


تعد الثقة السياسية أحد أهم الأصول غير المادية التي تقوم عليها الدولة الحديثة.

فالدولة لا تستمد استقرارها من مؤسساتها القانونية والأمنية والاقتصادية فقط وإنما من درجة الثقة التي تربط المواطن بمؤسسات الحكم والقيادات السياسية.

وعندما تتراجع هذه الثقة يتعمق الخلل في العلاقة بين المجتمع والدولة.

وفي النموذج العربي تبدو أزمة الثقة أكثر تعقيدا؛ لأنها لا ترتبط فقط بأداء الحكومات أو بمستوى الخدمات العامة وإنما تتداخل فيها عوامل تاريخية وسياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية. فالعلاقة بين المواطن والقيادة ظلت في كثير من التجارب العربية محكومة بمنطق عمودي تتحرك فيه السلطة من الأعلى إلى الأسفل بينما تتحرك مطالب المجتمع من الأسفل إلى الأعلى دون أن تجد قنوات مؤسسية فعالة لاستيعابها.

ومن الأخطاء المنهجية الخلط بين الثقة السياسية والولاء الشخصي، فالمواطن قد يكون غير متوافق مع رئيس الدولة أو الحكومة ولكنه يثق بالمؤسسات التي تحكمه.

وقد يختلف سياسيا مع القيادة لكنه يؤمن بأن القرارات تصدر وفقا للقانون وأن المؤسسات قادرة على تصحيح الأخطاء.

وهذا هو الفارق بين الدولة الحديثة والدولة المشخصنة.

فالثقة المستدامة لا تقوم على صورة القائد في الإعلام ولا على الخطابات السياسية ولا على التعبئة العاطفية وإنما على مجموعة من المؤشرات العملية:

فاعلية المؤسسات واحترام القانون ووضوح القرار السياسي والقدرة على محاسبة المسؤول وعدالة توزيع الفرص وكفاءة الإدارة العامة وحماية الحقوق وشفافية المعلومات وإمكانية تداول السلطة أو تصحيح مسارها وقدرة المواطن على التأثير في القرار العام.

وبالتالي فإن الثقة ليست شعورا عاطفيا فقط وإنما هي عقد سياسي واجتماعي قابل للقياس والاختبار.

وهنا نجد أن الدولة العربية الحديثة قد تشكلت في ظروف مختلفة عن مسار الدولة الأوروبية و ارتبط تأسيس عدد كبير من الدول العربية بالاستعمار ثم بحركات التحرر الوطني ثم ببناء الدولة المركزية.

وفي مراحل معينة أصبحت القيادة السياسية تقدم نفسها باعتبارها حامية للدولة والاستقرار والوحدة الوطنية.

وهنا نشأ أحد أهم الإشكالات حيث تحولت شرعية الإنجاز التاريخي إلى شرعية دائمة حتى بعد تغير الظروف التي أنتجتها.

فالقيادة التي اكتسبت مشروعيتها من التحرير أو بناء الدولة أو مواجهة التهديدات الخارجية وجدت نفسها أمام مجتمع جديد يمتلك تعليما أعلى ووسائل اتصال أكثر وتطلعات اقتصادية وسياسية مختلفة.

لكن أدوات الحكم لم تتغير بالسرعة نفسها.

ومن هنا نشأت فجوة بين الدولة كما تراها القيادة والدولة كما يريدها المواطن.

وفي بعض التجارب العربية لم يتم بناء العلاقة السياسية على أساس المواطن باعتباره شريكا كاملا في صناعة القرار وإنما على أساس علاقة تقوم على الرعاية مقابل الولاء والضمان الاجتماعي والوظيفة العامة مقابل الخضوع والطاعة.

فالدولة تقدم خدمات أو امتيازات أو حماية والمواطن يقدم الولاء والاستقرار.

وقد ينجح هذا النموذج لفترة زمنية معينة خصوصا عندما تكون الموارد مرتفعة والاحتياجات محدودة.

لكن المشكلة تظهر عندما تتراجع قدرة الدولة على الاستمرار في تقديم هذه المنافع.

وعندها يكتشف الطرفان أن العلاقة لم تكن قائمة على عقد مؤسسي مستقر وإنما على تبادل منافع مؤقتة فالسلطة تمنح والمجتمع يتلقفها وحين تتغير المعادلة تبدأ التساؤلات عن مصدر شرعيتها.

وتعد الوعود السياسية واحدة من أهم مصادر تآكل الثقة في العالم العربي وهي التي يمثلها الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع.

حيث تعلن الحكومات عن الإصلاح أو محاربة الفساد أو تحقيق العدالة الاجتماعية ثم تفشل فيه.

او تؤسس عم هيئة لمكافحة الفساد و تستثمر في شبكات المصالح وهكذا دوادواليب. المشكلة هنا ليست في فشل سياسة واحدة وإنما في تكرار الوعود غير المنجزة.

فالإنسان يمكن أن يتقبل الخطأ لكنه يصبح أقل استعدادا لتصديق القيادة عندما تتحول الوعود إلى نمطية متكررة لا يتبعه تغيير حقيقي.

وحينما يكون الإعلام أداة لتجميل صورة السلطة فإنه يفقد وظيفته الأساسية بوصفه وسيطا بين المجتمع وصانع القرار.

ذلك أن الإعلام المهني لا يعمل ضد الدولة وإنما هو اداة مهمة من أدوات استمرلر الدولة .

بل إن الإعلام القادر على كشف الخلل مبكرا يمكن أن يكون أحد أهم أدوات حماية الدولة.

وتبدأ الأزمة عندما تصبح السلطة مهتمة بصورة الواقع أكثر من الواقع نفسه حيث قد تنجح الدعاية في صناعة صورة إيجابية مؤقتة و لكنها لا تستطيع معالجة البطالة أو الفساد أو ضعف المؤسسات.

وبالتالي فالإعلام يستطيع صناعة الانطباع ولكنه لا يستطيع صناعة الثقة بصورة مستدامة فالثقة تحتاج إلى واقع يدعمها.


وأخطر الفجوات هي

أزمة الثقة مع الأجيال العربية الجديدة فالشاب العربي اليوم يقارن تجربته بما يحدث في العالم لحظة بلحظة.

لم تعد الدولة المصدر الوحيد للمعلومة ولم يعد الإعلام الرسمي قادرا على احتكار الرواية.

إن المواطن يرى نماذج مختلفة للحكم والإدارة والتعليم والاقتصاد عبر الإنترنت وفجوات كبيرة بين المداخيل والامتيازات وهذا خلق معيارا جديدا للمقارنة.

ومن ثم لم تعد المقارنة بين الماضي والحاضر وإنما تمحور التساؤل الحائر لماذا لا نستطيع أن نكون أفضل مما نحن عليه الآن؟

وهذه النقلة الفكرية مهمة للغاية، فالجيل الجديد لا يريد بالضرورة إسقاط الدولة وإنما يريد دولة أكثر كفاءة وعدالة وشفافية وقدرة على الاستجابة.

ومن أخطر الأخطاء السياسية الاعتقاد بأن استقرار الدولة يمكن ضمانه بالأدوات الأمنية وحدها. فالأمن ضروري ولكنه ليس بديلا عن الشرعية.

ويمكن للأمن أن يمنع الفوضى لكنه لا يستطيع بمفرده إنتاج الرضا ويمكنه إسكات الاحتجاج لكنه لا يستطيع إقناع المجتمع.

يمكنه حماية المؤسسات لكنه لا يستطيع جعل المواطن يثق بها.

إن الدولة المستقرة هي التي تجمع بين الأمن والعدالة و الكفاءة و الشرعية و المشاركة.

أما اختزال الاستقرار في السيطرة الأمنية فإنه استقرار مكلف يمكن اكتشافه عند أول أزمة.

وهنا لم تعد القيادة الحديثة مطالبة فقط بأن تكون قوية.

بل مطالبة بأن تكون قوية ومقنعة ومؤسسية وقابلة للمساءلة.

فالقائد الذي يعتمد على الهيبة وحدها يستطيع إدارة مرحلة مؤقتة أما القائد الذي يبني مؤسسات قادرة على الاستمرار بعده فإنه يبني دولة.

وهنا يكمن الفرق بين حكم الأشخاص وحكم المؤسسات.

وفي النموذج الأول يصبح مستقبل الدولة مرتبطا بمستقبل القائد. وفي النموذج الثاني يصبح القائد جزءا من منظومة أكبر منه.

وهذه هي النقلة التي تحتاج إليها التجربة العربية.

إن إعادة بناء الثقة لا تبدأ بحملة إعلامية ولا بشعارات سياسية جديدة ولا بالترفيه والسياحة التي تغطي شريحة ضئيلة في المجتمع .

ولا تبدأ بتغيير صورة القيادة وإنما تبدأ بإعادة بناء العلاقة نفسها.

فالمواطن يريد أن يعرف أليات القرار وكيفياتها وأدواتها والمسؤول عنها وهذه من معايير مؤسسية الحكم للمساءلة والمراقبة.

وعندما يصبح المواطن قادرا على الحصول على إجابات واضحة تبدأ الثقة في العودة.


إن المطلوب عربيا ليس بناء ثقة مطلقة في الزعيم وإنما بناء ثقة في النظام المؤسسي فالقيادة قد تتغير، لكن الدولة تستمر والحكومة قد تفشل لكن المؤسسات قادرة على تصحيح الفشل والمسؤول قد يخطئ، لكن القانون قادر على محاسبته.

وهذا هو المعيار الحقيقي للدولة الحديثة.

لذلك فإن المشروع العربي المطلوب ليس البحث عن الزعيم الذي يثق به الناس وإنما ببناء مؤسسات تجعل المواطن قادرا على الثقة بالدولة حتى عندما يختلف مع القيادة.


إن أزمة الثقة بين الشعب والقيادات في العالم العربي في جوهرها أزمة علاقة سياسية.

وعندما يشعر المواطن بأن صوته لا يغير شيئا وأن القانون لا يطبق بالتساوي وأن الوعود لا تتحول إلى سياسات وأن المسؤول لا يتحمل نتائج قراراته فإن الثقة تتآكل تدريجيا.

أما إعادة بناء الثقة فتحتاج إلى انتقال حقيقي من الشخص إلى المؤسسة ومن الخطاب إلى الإنجاز وومن الوعود إلى المؤشرات ومن الولاء إلى المواطنة ومن الرعوية إلى الحقوق ومن الخوف إلى القانون

ومن الإعلام الدعائي إلى الإعلام المهني ومن القرار المغلق إلى القرار القابل للمساءلة

وهنا يمكن صياغة القاعدة الأساسية للنموذج العربي الجديد:

الشعب لا يحتاج إلى قيادة تطلب منه أن يثق بها وإنما يحتاج إلى مؤسسات تجعل الثقة وليدة طبيعية لأدائها.

ذلك أن القيادة التي تطلب الثقة باستمرار تفتقدها وتفقدها.

أما القيادة التي تبني المؤسسات وتقبل النقد وتحاسب المسؤول وتعلن الحقائق وتنجز ما وعدت به فإنها لا تحتاج إلى مطالبة المواطن بالثقة؛ لأن الثقة تصبح نتيجة تلقائية للممارسة السياسية.

وفي النهاية فإن مستقبل العلاقة بين الشعب والقيادة في العالم العربي لن تحدده قوة الخطاب السياسي بقدر ما ستحدده قدرة الدولة على الانتقال من شرعية الأشخاص إلى شرعية المؤسسات.