آخر تحديث :الأحد-16 أغسطس 2026-11:11ص

المغرب والتمدد الإسرائيلي والأمريكي نحو المتوسط ،هل بدأت مرحلة جديدة في إعادة رسم خرائط النفوذ

الأحد - 16 أغسطس 2026 - الساعة 09:15 ص
نصيب محمد الحارثي


لم تكن التطورات التي شهدتها مدينة سبتة، بالتزامن مع احتفالات المملكة المغربية بعيد العرش، مجرد حدث أمني أو سياسي عابر يمكن عزله عن السياق الإقليمي والدولي، بل بدت وكأنها حلقة جديدة ضمن سلسلة من التحولات المتسارعة التي يشهدها حوض البحر المتوسط، في وقت تتشابك فيه ملفات الأمن والهجرة والطاقة والتحالفات العسكرية مع حسابات النفوذ الدولي بصورة غير مسبوقة،وتشير القراءة السياسية لهذه التطورات إلى أن منطقة غرب المتوسط أصبحت اليوم جزءًا من صراع النفوذ الدولي، بعد أن ظلت الأنظار لسنوات طويلة مركزة على شرق المتوسط ،فالتنافس لم يعد مقتصرًا على خطوط الغاز أو الممرات البحرية أو النزاعات التقليدية، بل امتد ليشمل إعادة صياغة موازين القوة في كامل الفضاء المتوسطي، بما ينعكس بصورة مباشرة على مستقبل شمال إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط معًا،وفي هذا السياق، يرى عدد من المحللين أن تنامي العلاقات المغربية الإسرائيلية منذ استئناف العلاقات بين البلدين، إلى جانب الحضور الأمريكي المتزايد في المنطقة، يمثل أحد أبرز المتغيرات التي تستحق المتابعة، خاصة في ظل تصاعد التعاون في مجالات الأمن والدفاع والتكنولوجيا والاستثمار، وهي ملفات تمنح هذه العلاقة أبعادًا تتجاوز الإطار الثنائي إلى حسابات إقليمية أوسع.

ومن جهة أخرى، أعادت أزمة سبتة تسليط الضوء على طبيعة العلاقة المعقدة بين المغرب وإسبانيا، وهي علاقة تجمع بين التعاون الاقتصادي والأمني من جهة، والخلافات التاريخية والسيادية من جهة أخرى، خصوصًا فيما يتعلق بمدينتي سبتة ومليلية، إضافة إلى ملف الصحراء الغربية الذي لا يزال يشكل أحد أبرز مصادر التوتر في المنطقة ،كما كشفت ردود الفعل الأوروبية المتباينة تجاه هذه التطورات عن استمرار التباين في أولويات دول الاتحاد الأوروبي، وهو تباين قد ينعكس على قدرة الاتحاد في صياغة موقف موحد تجاه القضايا الاستراتيجية في جنوب المتوسط، سواء فيما يتعلق بالهجرة أو الأمن أو العلاقات مع دول شمال إفريقيا.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو منطقة غرب المتوسط مرشحة لأن تصبح ساحة تنافس متزايد بين قوى دولية وإقليمية متعددة، تشمل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين، إضافة إلى الفاعلين الإقليميين، الأمر الذي قد يؤدي إلى إعادة تشكيل التحالفات التقليدية وظهور ترتيبات أمنية وسياسية جديدة ،ولا يمكن إغفال أن البحر المتوسط ظل عبر التاريخ أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من حركة التجارة الدولية، كما يمثل نقطة اتصال بين ثلاث قارات، الأمر الذي يجعل أي تغير في موازين القوى داخله ذا تأثير يتجاوز حدود الدول المطلة عليه ليصل إلى الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية،ويرى مراقبون أن انتقال مركز الاهتمام الدولي تدريجيًا نحو غرب المتوسط لا يرتبط فقط بالقضايا الأمنية، بل أيضًا بالموقع الجغرافي للمغرب، وما يمثله من بوابة استراتيجية نحو إفريقيا وأوروبا والمحيط الأطلسي، وهو ما يمنح الرباط أهمية متزايدة في الحسابات الجيوسياسية للدول الكبرى.

وفي المقابل، فإن استمرار الخلافات الإقليمية بين دول المغرب العربي، وتعثر مشاريع التكامل الاقتصادي والسياسي، قد يفتح المجال أمام قوى خارجية لتعزيز حضورها ونفوذها، مستفيدة من حالة الانقسام الإقليمي وغياب رؤية موحدة للتعامل مع المتغيرات الدولية المتسارعة ،إن ما يجري اليوم في سبتة، وما يحيط به من تحركات سياسية ودبلوماسية، قد لا يكون حدثًا منفصلًا عن التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي، بل قد يمثل مؤشرًا على دخول منطقة غرب المتوسط مرحلة جديدة تتداخل فيها المصالح الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية بصورة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.

ويبقى السؤال الأهم: هل تتجه المنطقة بالفعل نحو إعادة رسم خريطة النفوذ في غرب المتوسط، أم أن ما نشهده لا يزال مجرد إعادة تموضع للقوى الإقليمية والدولية في إطار توازنات قابلة للتغير؟ الإجابة عن هذا السؤال ستتوقف على مسار التطورات خلال السنوات المقبلة، وعلى قدرة دول المنطقة على حماية مصالحها وبناء شراكات متوازنة تحفظ سيادتها وتحد من تحول البحر المتوسط إلى ساحة صراع مفتوح بين القوى الدولية.