قراءة في سفر الخالدي الخالد تشريح الأدب الشعبي لزمن انقلاب الموازين وهوان الفرسان غوص تحليلي في احدى روائع المرحوم الشاعر شايف محمد الخالدي وسقوط أقنعة الفساد على واقعنا المعاصر لم يكن الشاعر الراحل شايف محمد الخالدي (رحمه الله) مجرد صوتٍ شعبياً ينسج الزوامل والأشعار على إيقاع الأحداث اليومية بل كان فيلسوفاً للموقف و مشرط جراح يمتلك بصيرة استشرافية نفذت إلى عمق التحولات الاجتماعية والسياسية .
وفي روائعه الخالدة ولاسيما قصيدته العميقة التي يستهلها بـ لك الحمد يا ساتر بسترك على السرق لا يقدم الخالدي مجرد قصيدة اعتراض بل يمارس أسلوباً فريداً من المناجاة التهكمية والامتنان الظاهري القائم على المفارقة ليضع أمامنا مرآة ثقيلة تفضح زيف زمن الرويبضة وانقلاب المعايير الأخلاقية حيث يُرفع الفاسد ويُطأطأ رأس الشريف وتُدار المصائر العظام بمنطق لعب العيال .
وإيماناً بأهمية هذا الموروث الذي يتجاوز جغرافية وقته ليتطابق بذهول مع تفاصيل واقعنا المعاصر نطرح عبر ثلاث حلقات متتالية قراءة تحليلية مستفيضة ونقدية لنص القصيدة مشفوعة بإسقاطات منهجية تضيء على واقعنا اليوم وتتساءل كيف تحولت النضالات إلى حبر على ورق وكيف نعيد الموازين إلى نصابها قبل فوات الأوان ؟
في النص الخالدي الخالد لا يشتكي الشاعر من أقداره بل يمارس تهكماً سوداوياً يمزج بين الامتنان الظاهري والمرارة الباطنة ليرسم صورة دقيقة لزمانٍ تصدّر فيه الفسَلة وهُمّش فيه الشرفاء .
يعتمد الشاعر الكبير شايف محمد الخالدي (رحمه الله) في المطلع على مهارة بلاغية عالية وهي المناجاة التهكمية يتوجه بالحمد لكنه حمدٌ محمّلٌ بالمرارة والصدمة فهو لا يعترض على أحكام الله بل يفضح الواقع الاجتماعي والسياسي الذي انقلبت فيه الفطرة وغابت فيه القيم وصار الساقط ملتصقاً بأعلى المراتب .
لك الحمد يا ساتر بسترك على السرق ... ويا من تبدلهم بدل خوفهم أمان
ويا من رفعت الفسل لا عالي الطبق ... ونزلت أحسن ناس من أفضل المكان
يضعنا الخالدي أمام المعضلة الأولى شرعنة الفساد وتأمين الخوف للمجرمين. الفسل (وهو الرذيل أو التافه من الرجال) يُرفع إلى عالي الطبق (أعلى المناصب والوجاهات) بينما الشريف والكفء يُنزع من مكانه الطبيعي ليُهمّش في القاع .
وسهلت رزق المرتشي من قفا العلق ... بيسرح خلي جيبه وروح وهو ملان
وسويت صوره طيبة لاشوع الخلق ... وشوهت سبحانك بجملة صور حسان
يشرح الشاعر كيف أصبحت الجباية الحرام والرشوة شطارة ورزقاً يتباهى به صاحبه وكيف تُمارس عمليات تجميل الوجوه (مكياج الإعلام والوجاهة) لتلميع القبيح خُلُقاً وسلوكاً في حين يُحارب الشريف بشتى الطرق حتى تُشوه صورته في عيون الناس .
وغليت ذي بارخص ثمن كان ما نفق ... ورخصت أشيا غاليه سعرها زبان
هنا يتجاوز الشاعر منطق السلع الاقتصادية ليقصد تضخم التافهين ورخص المبادئ حيث أصبحت المواقف الغالية والشرف والكرامة بلا ثمن في سوق النفاق بينما ارتفعت أسعار الذمم والذين لم يكن لهم وزنٌ أو سعرٌ في الزمان الأصيل .
واقعنا بين الأمس واليوم تتشابه معالم القصيدة مع ما نعيشه اليوم بأسلوب يدعو للدهشة :
سيادة المشاهير الجدد والرويبضة نعيش اليوم عصر تسيد فيه المشهد من لا يمتلكون حسّاً وطنياً ولا عمقاً فكرياً تصدروا المنصات والقرارات بينما توارى العلماء والمفكرون والنظاف .
اقتصاد الطفيلية والحروب خلقت التحولات الاقتصادية والسياسية طبقة طفيلية امتلأت جيوبها من دم وعرق المواطن العادي فتغيرت جغرافيا الثروة والجاه لصالح المرتشين والسماسرة .
(يتبع في الحلقة القادمة شرعنة النهب وتكميم فم الضحية)