لطالما كان شِعْرُ عنترةَ الفوارسِ يحرك فكري، و يحرض سطري، و يحدوني في بعض نثري.
و ما طربت لشعر أحد من أهل الجاهلية و الإسلام، كما طربت لشاعرين فحلين جبلين، ما كاد يقوم لهما أحد إلا هدماه و هزماه.
فأما في الجاهلية، فشعر عنترة العبسي، و أما في الإسلام، فشعر أبي الطيب الطائي.
و من شعر عنترة الذي تطرب لصوابه النفوس السليمة، و الأحساب الكريمة، قصيدته المنسوبة إليه*، التي يقول في مطلعها:
*حَكِّمْ سُيُوْفَكَ فِي رِقَابِ العُذَّلِ* … *وَ إِذَا نَزَلْتَ بِدَارِ ذُلٍّ فَارْحَلِ*
و على منوالها نسجت، و من نوالها كتبت، مقراً بالعلل و القصور، و الخلل غير المستور، من دخيل على الشعر و ما فيه من بحور.
فخذ ما أتاك من كتاب، و استر الخلل بحجاب، و دع عنك اللوم و العتاب:
*أَحْكِمْ سُطُوْرَكَ فِي هِجَاءِ الأَرْذَلِ* … *وَ إِذَا نَزَلْتَ بِقَوْمِ سَوْءٍ فَاسْحَلِ*
*وَ إِذَا بُلِيْتَ بِظَالِمٍ كُنْ حَازِمَاً* … *وَ اجْتَثَّ هَذَا الظُّلْمَ دُوْنَ تَعَلُّلِ*
*وَ إِذَا المُشِيْرُ نَهَاكَ يَوْمَ عَزِيْمَةٍ* … *خَوْفَاً عَلَيْكَ عَنِ البَيَانِ الأَمْثَلِ*
*فَارْدُدْ مَشُوْرَتَهُ وَ لَا تَعْمَلْ بِهَا* … *وَ اصْدَعْ بِقَوْلِ الحَقِّ دُوْنَ تَأَوُّلِ*
*وَ الْحَقْ بِرَكْبٍ لَا يَشِيْنُكَ ذِكْرُهُ* … *وَ احْذَرْ لِئَامَ العِرْضِ دُوْنَ تَمَلْمُلِ*
*وَ الشَّرُّ لا يُنْجِيْكَ مِنْ غَزَوَاتِهِ* … *بَعْدَ التَّوَكُّلِ مِثْلُ سَيْفِ مُهَلْهِلِ*
*دَرْبُ الهُدَى أَمْنٌ لِمَنْ خَافَ الرَّدَى* … *يَا سَائِلِيْنَ عَنِ السَّبِيْلِ الأَمْثَلِ*
*يَا مَائِلِيْنَ عَنِ العُلا وَ شِعَارِهِ* … *قَدْ شَاعَ ذَمُّكُمُ بِكُلِّ المَنْزِلِ*
*إِنْ كُنْتُ فِي ضِيْقٍ فَلَيْسَ يَعيِبُنِي* … *أَفَلا تَرَى عِزَّاً مَنِيْعَاً فِي عَلِ*
*مَا أَنْكَرَتْ رُؤَسَاءُ قَوْمٍ عِزَّتِي* ... *فَخِطَابُ قَوْلِي وَ الفِعَالُ تُقِرُّ لِي*
*قَدْ طَالَ ذُلُّكُمُ وَ عِزِّي فِي عُلا* … *وَ مِنَ العَجَائِبِ ذُلُّكُمْ وَ تَهَلُّلِي*
*لا تُعْطِنِي مَالَ الأَرَاضِ بِذِلَّةٍ* … *بل فَاطْعَنَنْ بِالعِزِّ طَعْنَ مُجَنْدِلِ*
*قَدْ قَالَ عَنْتَرَةُ الفَوَارِسِ سَالِفَاً* … *بَيْتَاً حَكِيْمَاً فِي المَقَامِ الأَكْمَلِ*
*مَوْتُ الفَتَى فِي عِزَّةٍ خَيْرٌ لَهُ* … *مِنْ أَنْ يَبِيْتَ أَسِيْرَ طَرْفٍ أَكْحَلِ*
—————————
*زعم بعضهم أنها ليست لعنترة بل منحولة، و هذه المقولة، بغير بينة مردودة غير مقبولة، و ما وقفت عليه مما زعموه بينات، إنما هو أشبه بدعوى ليست على الجادة بل على البنيات.
كتبه: *أبو الحسن جلال بن ناصر المارميُّ.*