آخر تحديث :الأربعاء-19 أغسطس 2026-03:56م

اكبر قضية في اليمن اليوم ليست فقط من يحكم اليمن بل ماذا بقي من اليمني نفسه؟

السبت - 15 أغسطس 2026 - الساعة 02:03 م
عارف ناجي علي


فالسياسة والاقتصاد والحرب والكهرباء والماء والتعليم والوظيفة والراتب والتقاعد والشهيد والشباب والأحزاب والمجتمع المدني والمراة والطفل والاسرة .. كلها في الحقيقة اعراض لأزمة واحدة وهي ازمة دولة فقدت قدرتها على حماية الانسان اليمني وصناعة مستقبله.


وهنا ربما ينبغي ان نتوقف قليلاا عن السؤال التقليدي الذي استنزفنا طوال سنوات من يحكم اليمن؟ ومن يسيطر على هذه المنطقة؟ ومن يمتلك القوة؟ ومن يملك الشرعية؟ ومن يمثل الجنوب؟ ومن يمثل الشمال؟ ومن يفاوض من؟

فقد يكون السؤال الاكثر الحاحا اليوم مختلفا تماما

وهو ماذا بقي من اليمني نفسه وسط كل هذا الصراع؟


طفل عاجز عن الذهاب الى المدرسة ليس لانه لا يريد التعليم وانما لان اسرته لم تعد قادرة على تحمل تكاليف الحياة وشاب يحمل شهادة جامعية لكنه لا يجد وظيفة وقد يجد نفسه امام احد الخيارات ان يكون عسكري بساحة الحرب ـ البطالة أو الهجرة أو البحث عن فرصة في بلد آخر.


وموظف قضى سنوات عمره في خدمة الدولة ثم اكتشف ان راتبه لم يعد يكفي احتياجات أسرته الاساسية ومتقاعد ينتظر نهاية الشهر ليحصل على راتب بالكاد يستطيع معه شراء الدواء والغذاء.


وعسكري يذهب الى الجبهة وهو يعرف ان حياته قد تنتهي في اي لحظة، بينما لا يعرف اهله ماذا سيكون مصيرهم اذا استشهد.


وفي بيت اخر ام تنتظر ساعات طويلة عودة الكهرباء واسرة تنتظر الماء الذي قد يصل بعد عدة ايام ومريض يؤجل علاجه لانه لا يملك تكلفته واب يحاول ان يقنع ابناءه بان الغد سيكون افضل وهو نفسه لم يعد يعرف كيف سيكون الغد هذه ليست قصصاً متفرقة وليست ازمات منفصلة هذه هي صورة اليمن اليوم.


وفي المقابل، لا تتوقف البيانات بيان من المجلس الرئاسي وبيان من الحكومة وبيانات عسكرية وسياسية واجتماعات ولجان وقرارات وتغييرات وتشكيل حكومات جديدة واعادة توزيع للمناصب ثم تدوير للاسماء نفسها بين المواقع نفسها بينما المواطن ينتظر شيئا واحدا فقط نتيجة يشعر بها في حياته.

لا يريد المواطن بيانا جديدا عن الكهرباء يريد الكهرباء.

ولا يريد اجتماعا عن المياه يريد الماء.

ولا يريد حديثا عن اصلاح التعليم يريد مدرسة قادرة على تعليم ابنائه.

ولا يريد وعودا عن الاقتصاد يريد راتبا يحفظ له كرامته.

ولا يريد خطابات عن رعاية اسر الشهداء يريد ان يجد ابناء الشهيد من يعيلهم ويحفظ لهم حقهم.

ولا يريد الشاب ان يسمع للمرة الألف عن تمكين الشباب بل يريد ان يجد مكانا حقيقيا في مؤسسات بلده.


المشكلة اذن لم تعد في غياب الكلام وانما في الفجوة الهائلة بين ما يقال وما يحدث فاليمن لا يعاني فقط من حرب عسكرية وانما من حرب استنزاف طويلة للانسان والدولة والمجتمع والاقتصاد ، حرب لم تعد جبهاتها محصورة في خطوط النار بل امتدت الى المدرسة والمستشفى والسوق والبيت ومكان العمل والشارع والميناء والطريق وحتى داخل الأسرة.


وكلما احتدمت المواجهات العسكرية اتسعت دائرة الخسائر الاقتصادية والاجتماعية وكلما تدهور الاقتصاد ازداد الفقر والبطالة وكلما ازداد الفقر اتسعت مساحة الياس والهجرة وكلما ضعفت مؤسسات الدولة ازدادت قدرة القوى غير الرسمية على مل الفراغ.


وهكذا ندور في دائرة مغلقة بينما يدفع المواطن الثمن كل يوم وفي الوقت الذي تتسع فيه دائرة الصراع لتصل الى الممرات البحرية الحيوية في البحر الأحمر وتتداخل فيها الحسابات اليمنية والإقليمية والدولية وتصبح كل الجبهات العسكرية جزءا من مشهد عسكري وامني بالغ الحساسية يبقى السؤال الذي يجب الا يغيب وسط كل هذه التطورات:

ماذا يفعل كل ذلك بالانسان اليمني؟

نحن نتحدث عن الجغرافيا والاستراتيجية والممرات الدولية والموانى والمصالح الإقليمية والدولية والنفط وهذا كله مهم لكن خلف كل هذه المصطلحات يوجد انسان يمني يريد ان يعيش فقط.

يريد ان يستيقظ صباحا دون ان يخاف من الحرب.

يريد ان يرسل ابناءه الى المدرسة.

يريد ان يجد عملا.

يريد راتبا منتظما.

يريد ماء وكهرباء.

يريد مستشفى يستطيع ان يدخله دون ان يسال أولا عن تكلفة العلاج.

ويريد دولة يشعر انها موجودة عندما يحتاج اليها.

وهنا نصل إلى جوهر الأزمة.


الدولة ليست قصرا رئاسيا ولا حكومة ولا وزارة ولا علما يرفع ولا بيانا يصدر فالدولة هي قدرتها على حماية الإنسان وتوفير الحد الأدنى من الأمن والخدمات والعدالة والفرص وصيانة كرامته وضمان حقوقه وصناعة مستقبل يستطيع ان يثق به وحين تفشل الدولة في ذلك يصبح السؤال عن شكل السلطة اقل اهمية من السؤال عن وظيفتها.


لقد تعاقبت الحكومات وتغيرت الوجوه وتبدلت التحالفات وتعددت المجالس واللجان لكن المواطن ما زال ينتظر دولة يشعر بها في حياته اليومية وهنا لا بد من مصارحة سياسية لا تستثني احدا.


فالمشكلة ليست في الحكومة وحدها ولا في المجلس الرئاسي وحده ولا في الاحزاب وحدها ولا في طرف عسكري واحد نحن امام تراكم طويل من الاخطاء السياسية والاقتصادية والادارية والعسكرية ساهمت فيه قوى كثيرة واحيانا دفعت البلاد نحو مزيد من الانقسام بدلا من بناء مؤسسات قادرة على جمع اليمنيين.


والاكثر ايلاما ان بعض الاحزاب السياسية نفسها تبدو وكانها تعيش في زمن مختلف عن الزمن الذي يعيشه المجتمع فقد نشا جيل كامل من الشباب نشا وسط الحرب وتعلم في ظروف صعبة ودخل سوق العمل في اقتصاد منهك لكنه لا يجد مساحة حقيقية في كثير من المؤسسات السياسية التي ما زالت قياداتها واساليب عملها تعكس مرحلة تاريخية مضت فكيف نطلب من الشباب ان يؤمنوا بالسياسة بينما لا يجدون مكانا حقيقيا فيها؟


وكيف نتحدث عن المستقبل بعقلية لا تزال اسيرة للماضي؟ وكيف يمكن بناء دولة جديدة بادوات سياسية لم تعد قادرة على استيعاب التحولات التي حدثت في المجتمع؟


ولا يقل خطورة عن ذلك تراجع دور المجتمع المدني

ففي الظروف الطبيعية يجب ان يكون المجتمع المدني مساحة بين المواطن والدولة وصوتا للمجتمع ورقيبا على الاداء العام ومدافعا عن الحقوق وشريكا في صناعة الحلول لكن سنوات الحرب والانقسام والاستقطاب اضعفت كثيرا من هذه الادوار حتى اصبح المواطن في احيان كثيرة وحيدا لا يجد مؤسسة قوية يسمع من خلالها صوته او يدافع عبرها عن حقوقه وحين تضعف الدولة ويضعف المجتمع المدني في الوقت نفسه تصبح المسافة بين المواطن ومؤسسات القرار اكبر وتصبح الصرخة الفردية عاجزة عن الوصول.


لذلك فان القضية اليوم ليست فقط كيف نوقف الحرب رغم ان وقف الحرب ضرورة لا يمكن تجاوزها وليست فقط كيف نعيد تشغيل الاقتصاد رغم ان الاقتصاد هو شريان الحياة وليست فقط كيف نوحد المؤسسة العسكرية والامنية رغم ان ذلك شرط اساسي لبناء الدولة.


القضية اليو والاوسع هي كيف نعيد بناء الانسان اليمني وثقته بوطنه ودولته ومستقبله؟

نحن بحاجة إلى ان ننتقل من ادارة الازمة الى مشروع انقاذ وطني مشروع لا يبدا من تقاسم المناصب بل من ترتيب الأولويات.


التعليم اولا لانه يصنع الإنسان.

والصحة لانها تحفظ الانسان.

والاقتصاد لانه يوفر له فرصة العيش.

واللمن لانه يحميه.

والعدالة لانها تحفظ كرامته.

والجيش والمؤسسات الأمنية لانها يجب ان تكون مؤسسات وطنية لا ادوات للصراع.

والإدارة لانها يجب ان تقوم على الكفاءة لا المحسوبية.

والسياسة لانها يجب ان تكون وسيلة لخدمة المجتمع لا وسيلة للوصول الى السلطة فقط.

والشراكة الوطنية لانها لا تعني توزيع الكراسي بين النخب وانما تعني ان يشعر كل يمني بانه شريك في وطنه ومستقبله.


لقد ان الاوان ان نعيد تعريف النجاح السياسي في اليمن.

ليس النجاح ان تتشكل حكومة جديدة.

وليس النجاح ان يتغير وزير.

وليس النجاح ان يصدر بيان قوي.

وليس النجاح ان يعقد اجتماع جديد.

النجاح الحقيقي هو ان يذهب طفل الى مدرسته وان يجد شاب وظيفة وان يحصل موظف على راتبه وان يعيش المتقاعد بكرامة وان تعود الكهرباء والمياه وان يحصل المريض على العلاج وان يعرف الجندي ان اسرته لن تضيع اذا استشهد وان يشعر المواطن ان القانون يحميه وان الدولة تقف إلى جانبه حينها فقط نستطيع أن نقول إننا بدأنا ننتصر.


اما لن يستمر السياسيون في البحث عن مواقعهم بينما يبحث المواطن عن لقمة عيشه ويبحث الشاب عن وظيفة ويبحث الطفل عن مدرسة ويبحث المريض عن علاج ويبحث المتقاعد عن راتب وتبحث الأسرة عن الكهرباء والماء فهذه ليست ادارة وطن للاسف اصبحت ادارة للازمة على حساب الإنسان.


ولهذا فان اكبر قضية في اليمن اليوم ليست فقط من يحكم اليمن ولا من يملك السلاح ولا من يسيطر على الارض ولا من يجلس في مجلس او حكومة.

اكبر قضية هي:

ماذا بقي من اليمني نفسه؟

والى متى سنظل نكتب عن اليمن كارض وصراع وسلطة وموانى وممرات ومصالح وننسى ان خلف كل ذلك انسانا يريد ان يعيش؟


لقد كتبنا كثيرا عن الحرب وعن السلطة وعن الشرعية وعن الحوثيين وعن الجنوب والشمال وعن الاحزاب والتحالفات وعن الموانئ والجبهات وربما حان الوقت لان نكتب عن الإنسان الذي ضاع بين كل هذه العناوين.


فالسؤال الذي يجب ان يسبق كل الأسئلة السياسية والعسكرية هو:

كيف يعيش اليمني اليوم؟ السؤال الذي يجب ان يسبق كل مشاريع السلطة هو:

كيف سنعيد له كرامته وامنه وفرصته في الحياة؟

اما اذا بقي المواطن هو اخر من نفكر فيه فسنظل نغير الحكومات والمجالس والوجوه بينما يبقى اليمن نفسه يتغير من دولة الى ازمة ومن ازمة الى معاناة ومن معاناة الى صرخة لا تجد من يسمعها.


واليمن الذي لا يسمع صرخات ابنائه اليوم قد يستيقظ غدا على سؤال اكبر من سؤال السلطة:

هل بقي فيه ما يكفي من الدولة لانقاذ الوطن؟