آخر تحديث :الثلاثاء-15 سبتمبر 2026-12:32م

التصعيد العسكري وإعادة تشكيل اقتصاد الحرب

الجمعة - 14 أغسطس 2026 - الساعة 08:41 م
نايف حمود العزي


يدخل التصعيد العسكري الجاري في اليمن إلى اقتصاد أعادت سنوات الحرب تشكيل قواعده ومصادر دخله ومراكز قوته. ومع اتساع المواجهة، تتعدل القيمة الاقتصادية للمواقع والمنافذ ومراكز التوزيع تبعًا لقدرتها على الحفاظ على تدفق السلع واستمرار الحركة التجارية، فتتباين كلفة النشاط الاقتصادي بين المناطق.

وتأخذ هذه التحولات وزنًا أكبر في ظل الانقسام النقدي والمؤسسي، الذي يفرض تكاليف إضافية على حركة التجارة البينية تتعلق بالتمويل والتحويل وتسوية المدفوعات، وتصبح قدرة الفاعلين على تحمل هذه التكاليف أو تجاوزها عاملًا في تحديد فرص الاستمرار ومواقع الحصول على العائد.

ينطلق هذا المقال من تحليل الآلية التي يعيد بها التصعيد العسكري توزيع النشاط والريع والنفوذ، عبر تغيير شروط الوصول إلى الأسواق والموارد، وما يترتب على ذلك من إعادة ترتيب لمراكز القوة داخل اقتصاد الحرب.

أولًا: إعادة رسم جغرافيا الوصول

يبدأ أثر التصعيد اقتصاديًا من شروط وصول السلع إلى الأسواق، وتكتسب هذه المسألة وزنًا خاصًا في اليمن، حيث توفر الواردات نحو 85% من إمدادات الغذاء، ما يجعل اضطراب طرق الإمداد سريع الانتقال إلى تكاليف السوق.

ومع اتساع المواجهة، تتغير قيمة الطرق والمنافذ ومراكز التوزيع بحسب قدرتها على الحفاظ على تدفق السلع، فارتفاع مخاطر المسار يرفع كلفة الوصول، ويدفع التجارة نحو بدائل تختلف في المسافة والأمان والقدرة على استيعاب الحركة.

وقد ظهر هذا التحول في خريطة الاستيراد، إذ انخفضت حصة الواردات التي تمر عبر الموانئ الخاضعة للحوثيين من 75% خلال الأشهر التسعة الأولى من 2024 إلى 65% في الفترة نفسها من 2025، مع انتقال جزء من السلع المتجهة إلى الشمال عبر طرق برية أطول من الموانئ الجنوبية.

وفي اقتصاد منقسم نقديًا ومؤسسيًا، تحمل حركة السلع بين مناطق السيطرة تكاليف إضافية في النقل والتعامل المالي، ويصبح اختيار المسار جزءًا من القرار التجاري نفسه، فتتغير خريطة النشاط تبعًا لاختلاف شروط الوصول بين المناطق.

ثانيًا: انتقال الريع وهوامش الوساطة

يغيّر انتقال التجارة توزيع العائد المرتبط بها، فعندما تتحول السلع إلى مسارات جديدة، تنتقل معها القيمة المرتبطة بالنقل والتخزين والتوزيع، وتزداد أهمية نقاط العبور ومراكز التجميع التي تدخل في المسار الجديد.

ويظهر أثر تغير المسارات في المالية العامة أيضًا. ففي 2023، ساهم تحويل جزء من الواردات من ميناء عدن إلى موانئ خاضعة لسيطرة الحوثيين في تراجع إيرادات الجمارك في مناطق الحكومة، التي انخفضت من 0.9% إلى 0.8% من الناتج المحلي. ويكشف ذلك أن تغير مسار الاستيراد يؤثر في موقع تحصيل الإيراد، فينتقل جزء من القيمة المرتبطة بالتجارة إلى الجهة التي تسيطر على منفذ دخولها.

ويضيف الانقسام النقدي والمؤسسي طبقة أخرى من العائد. فالتجارة بين المناطق تتطلب ترتيبات للتمويل والتحويل وتسوية المدفوعات، وتختلف كلفة هذه العمليات بحسب العملة والسيولة وسعر الصرف والقيود المفروضة على الحركة المالية. وكلما أصبحت الصفقة أكثر تعقيدًا، ارتفعت قيمة القدرة على إتمامها، وتحول جزء من كلفة التعامل إلى عائد لمن يملك هذه القدرة.

تتغير مواقع التقاط هذا العائد مع تغير مسارات التجارة، فالسلعة قد تصل إلى السوق نفسها، لكن القيمة المتولدة أثناء انتقالها تتوزع بين فاعلين ومواقع مختلفة، فتتغير الجهات التي تحصل على جزء من القيمة المرتبطة بها.

ثالثًا: إعادة ترتيب مراكز النفوذ الاقتصادي

يعيد التصعيد تقييم مراكز القوة وفق مواقعها داخل النشاط الاقتصادي، فحين تصبح بعض قنوات الوصول أو التعامل أكثر أهمية، يكتسب الفاعلون المرتبطون بها قدرة تفاوضية تتجاوز العائد المباشر من نشاطهم، لأن استمرار جزء من السوق يصبح مرتبطًا بقدرتهم على توفير هذه القنوات.

ومع تحول الحاجة إلى اعتماد متكرر، تتحول الأفضلية الاقتصادية إلى قدرة على التأثير في شروط التعامل، ويصبح الفاعل قادرًا على توجيه جزء من النشاط أو التأثير في توزيعه، مستفيدًا من موقع يصعب استبداله في المدى القصير.

وتتحدد قدرة هذا النفوذ على الاستمرار بمدى ارتباطه بمراكز القرار السياسي والعسكري والمؤسسات التي تنظم النشاط الاقتصادي. فالموقع التجاري أو المالي يكتسب وزنًا أكبر عندما يمكن تحويله إلى تأثير في القرارات المتعلقة بالوصول والموارد وتوزيع العائد.

ومع امتداد الحرب، قد تتحول المواقع التي نشأت استجابة لاختناقات النشاط إلى مراكز قوة أكثر ثباتًا، وعندها يعاد تشكيل اقتصاد الحرب من خلال علاقات اعتماد جديدة تحدد من يملك قدرة أكبر على التأثير في حركة الاقتصاد وتوزيع موارده.

الخاتمة

يعيد التصعيد العسكري تشكيل الاقتصاد اليمني من خلال تغيير شروط الوصول إلى الأسواق والموارد، ونقل مسارات التجارة والعائد ومواقع القوة. ومع تكرار الترتيبات التي تنشأ لمواجهة اختناقات الحركة والتمويل والتسوية، قد تتحول من حلول مؤقتة إلى أجزاء مستقرة من النشاط الاقتصادي.

ويتعمق هذا التحول عندما تتحول كلفة التعامل إلى مصدر دخل لمن يملك القدرة على تجاوزها، فتتغير خريطة المستفيدين وتزداد قيمة الشبكات القادرة على إبقاء السوق في حالة حركة، بينما تتراجع أنشطة فقدت شروطها السابقة للعمل.

وما يستمر من هذه الترتيبات بعد انحسار المواجهة قد يصبح جزءًا من البنية الاقتصادية التي ستدخل بها اليمن مرحلة التعافي المقبلة. وبذلك، سيتحدد شكل هذه المرحلة بمدى ترسخ ترتيبات الطوارئ كمصادر مستقرة للجباية والوساطة والنفوذ.