آخر تحديث :الجمعة-14 أغسطس 2026-08:16م

حكاية جارين... السور الذي لم يمنع الجسور!

الجمعة - 14 أغسطس 2026 - الساعة 04:08 م
د. سمير أحمد بوست


في آخر الحي، كان هناك بيتان متجاوران...

يفصل بينهما سورٌ قصير.

لم يكن السور عاليًا بما يكفي ليحجب الشمس، ولا طويلًا بما يكفي ليمنع السلام.


كان الجاران مختلفين في أشياء كثيرة.

لكل واحد منهما طريقته في الحياة، وأسلوبه في التفكير، وأشياؤه التي يحبها، ومصالحه التي قد لا تتطابق دائمًا مع مصالح جاره.


ومع ذلك...

كان بينهما شيء أكبر من الاختلاف.

كانا جارين.

إذا مرض أحدهما، كان الآخر أول من يسأل عنه.

وإذا احتاج إلى شيء، وجد بابه قريبًا.

وإذا هبّت عاصفة، أغلقت البيوت نوافذها، وتعاون الجاران على حماية ما يستطيعان حمايته.

وفي الأيام الصعبة، كان كل واحد منهما يعرف أن سلامة بيت جاره تعني شيئًا من سلامة بيته أيضًا.


لم تكن حياتهما خالية من الاختلاف.

أحيانًا يختلفان.

وأحيانًا يرتفع الصوت قليلًا.

ثم يهدأ كل شيء.

وقد يطول الصمت بينهما لبعض الوقت...

لكن أحدًا منهما لم يفكر يومًا في هدم السور.


وفي صباحٍ هادئ، وقف أحدهما أمام السور طويلًا، ثم قال لجاره:

- أتعرف؟ لقد قضينا وقتًا طويلًا نتحدث عن هذا السور.

ابتسم الآخر وقال:

- وماذا تريد أن نفعل به؟

قال:

- لا شيء.

ثم أضاف:

- فالسور ليس مشكلتنا... المشكلة أننا نسينا أن أمامنا طريقًا يمكن أن نمشي فيه معًا، وجسورًا يمكن أن نبنيها معًا.

نظر إليه جاره، وبقي صامتًا لحظة.

ثم قال:

- وربما نسينا أيضًا أن السور يحفظ حدودنا... لكنه لا يمنعنا من بناء الجسور.


ومنذ ذلك اليوم، لم يصبح الجاران متشابهين.

ولم يتفقا على كل شيء.

لكنهما أصبحا أكثر فهمًا لبعضهما.

تعلم كل واحد منهما أن الاختلاف لا يعني العداوة.

وأن احترام الحدود لا يعني إغلاق الأبواب.

وأن حماية المصالح لا تحتاج إلى إضعاف الجار.

وأن أقوى العلاقات ليست تلك التي تخلو من الاختلاف...

بل تلك التي تعرف كيف تدير اختلافاتها دون أن تخسر ما هو أكبر.


ومع مرور السنوات، اكتشف الجاران أن بينهما أكثر مما كانا يظنان:

تاريخًا مشتركًا...

ومصالح متداخلة...

وحاجات متبادلة...

ومستقبلًا يتأثر بما يحدث في بيت كل واحد منهما.

فلماذا تكون العداوة هي الخيار الأول؟!

ولماذا يتحول كل اختلاف إلى خصومة؟!

وهل يحتاج الإنسان إلى أن يخسر جاره حتى يحافظ على بيته؟!

بالتأكيد لا.


فقد يكون من الحكمة أن نختلف...

ومن الحكمة الأكبر أن نعرف كيف نبقى جيرانًا في كل الأحوال، حتى ونحن مختلفون.


والشراكة الحقيقية لا تعني أن يعطي أحدهما كل شيء، ولا أن يأخذ الآخر كل شيء.

إنها أن يعرف كل واحد منهما قيمة الآخر.

أن يساعده حين يحتاج.

وأن يترك له مساحةً يقف فيها على قدميه.


وأن تكون المساندة طريقًا إلى القوة، لا سببًا للاعتماد الدائم.

فحين يساعد الجار جاره على أن يصبح أقوى، لا يخسر شيئًا...

بل يصبح هو أيضًا أكثر أمنًا واستقرارًا.


فأجمل ما يمكن أن يتركه جاران للأجيال القادمة ليس سجلًا طويلًا بما اختلفا عليه، بل طريقًا أوسع مما وجداه، وجسورًا أقوى مما ورثاه.

وثقةً تقول إن الاختلاف يمكن أن يبقى اختلافًا...

دون أن يتحول إلى عداوة.


فالسور سيبقى.

والحدود ستبقى.

والخصوصية ستبقى.

لكن لا شيء يمنع أن تمتد بين البيتين طرقٌ جديدة...

وأن تُبنى فوقها جسورٌ أقوى.


فربما لا يكون أجمل ما يفعله الجاران أن يتفقا في كل شيء...

بل أن يعرف كل واحد منهما أن وراء السور بيتًا يسكنه إنسان، له أمانه، وأحلامه، وأطفاله، وأيامه الصعبة، وأمله في غدٍ أفضل.


وأن اليد التي تمتد إلى الجار في وقت حاجته لا تنقص من صاحبها شيئًا...

بل تزيده إنسانية.


وأن نجاح أحد البيتين لا ينبغي أن يكون على حساب الآخر، بل يمكن أن يصبح نجاحًا يفتح للبيتين معًا أبوابًا أوسع.


فحين يتعاون الجاران، لا يصبح الطريق بينهما أقصر فقط...

بل يصبح المستقبل أوسع.


وحين يحفظ كل واحد منهما حدود الآخر، ويحترم خصوصيته، ويمد يده إليه في وقت الحاجة، تتحول الجيرة من مجرد قربٍ في المكان إلى أمانٍ متبادل، ورحمةٍ متبادلة، وفرصةٍ مشتركة للحياة.


وربما لهذا...

لا يحتاج الجاران إلى أن يهدم أحدهما سوره كي يثبت حسن نيته.

ولا يحتاج أحدهما إلى أن يتخلى عن بيته كي يحب جاره.


يكفي أن يعرف كل واحد منهما أن قوة جاره ليست تهديدًا له، وأن ازدهاره لا يعني خسارته، وأن أمنه امتداد لأمنه.


وهكذا، قد يبقى السور في مكانه...

لكن الأبواب تفتح.

والطرق تتسع.

والجسور تمتد.

ويكبر الأطفال وهم يرون أن الاختلاف يمكن أن يصنع حكمة، وأن الجوار يمكن أن يصنع رحمة، وأن التعاون يمكن أن يصنع ازدهارًا.


وعندها، لا يعود أهم سؤال بين الجارين:

لماذا نختلف؟

بل:

ماذا يمكن أن نبني معًا؟


فالمستقبل لا يحتاج إلى جارين متشابهين...

بل إلى جارين يعرف كل منهما قيمة الآخر.


وإذا كان السور يحفظ الحدود...

فإن الرحمة تحفظ القلوب،

والتعاون يبني الجسور،

والتكامل يصنع الازدهار،

والمستقبل يكتبه أولئك الذين اختاروا أن يبنوا معًا بدل أن يهدم بعضهم بعضًا.


وربما كانت أجمل نهاية لهذه الحكاية كلها:

أن يستيقظ الجاران ذات صباح،

فيجدا أن السور ما زال مكانه...

لكن الحياة بينهما أصبحت أجمل،

والطرق بينهما امتلأت بالورود،

والحدائق نمت على جانبي الجسور،

وصار الأطفال يعبرون بينها بأمان،

دون أن يسأل أحدهم: أين ينتهي بيتنا وأين يبدأ بيت جارنا؟


فقد تعلما أخيرًا أن:

الجوار لا يعني أن نعيش جنبًا إلى جنب فقط...

بل أن نطمئن إلى أن يكون غدُ كلٍّ منا أجمل من أمسه.


وهنا...

لا تنتهي حكاية الجارين.

هنا يبدأ مستقبلٌ يتسع لهما معًا.