آخر تحديث :الأربعاء-19 أغسطس 2026-03:56م

شراكة الجنوب ضرورة لاستعادة الدولة

الجمعة - 14 أغسطس 2026 - الساعة 03:27 م
عارف ناجي علي


بالبداية اسمحوا لي استحضار حرب 1994 اليوم لا محاولة لاحياء جراح الماضي وانما هو محاولة لفهم اسبابه حتى لا تتكرر بصورة جديدة فقد بدات ازمة الوحدة باختلال في الشراكة وتراكم الخلافات وانتهت بحرب فرضت واقعا سياسيا جديدا على الجنوب وبعد أكثر من ثلاثة عقود تختلف الظروف وتتغير الاطراف لكن السؤال الذي يفرض نفسه هل تعلمنا من الماضي ام اننا نعيد انتاج اسبابه بادوات مختلفة؟


قامت الوحدة اليمنية عام 1990 على اساس الشراكة بين دولتين وكان يفترض ان تؤسس لدولة تقوم على التوافق والتوازن لكن الخلافات تصاعدت وظهرت القرارات الانفرادية والتنافس على السلطة والنفوذ ولم تنجح اتفاقية العهد والاتفاق في انقاذ الشراكة.


وفي 1994 تحولت الخلافات السياسية الى حرب انتهت بانتصار عسكري فرض واقعا جديدا على الجنوب وكان الدرس واضحا عندما تنهار الشراكة ويغيب الحوار ويحل منطق القوة محل التوافق يصبح الصراع السياسي قابلا للتحول الى حرب.


في عام 2015 اجتاح الحوثيون صنعاء وتمددوا جنوبا فتحولت الأولوية الى مواجهة خطر مشترك

انذاك توحدت القوى الجنوبية رغم اختلاف مشاريعها السياسية وتمكنت بالتنسيق مع التحالف من تحرير عدن ومعظم المحافظات الجنوبية.


لكن بعد التحرير بدات الخلافات حول السلطة والنفوذ وانتقل جزء من الصراع من مواجهة الحوثيين الى صراع داخل المعسكر المناهض لهم

وهنا درس اخر توحيد الصفوف امام الخطر يصنع الانتصار بينما تحويل الخلاف الى صراع داخلي يستنزف الجميع.


اليوم ما زالت صنعاء ومناطق واسعة من الشمال تحت سيطرة الحوثيين بينما تحررت معظم المحافظات الجنوبية ومع ذلك يبدو المعسكر المناهض للانقلاب اكثر انشغالا بخلافاته الداخلية في وقت يفترض ان تكون الأولوية فيه لانهاء الانقلاب واستعادة الدولة والمجلس الرئاسي الذي يفترض ان يكون إطارا للتوافق يحتاج الى توحيد القرار وتطوير اليات العمل حتى لا تتحول التباينات السياسية الى تعدد في مراكز القرار او صراع على الأرض.


فالاختلاف السياسي طبيعي لكن الخطر يبدا عندما يتحول الى ازدواجية في السلطة او تنازع على النفوذ لذلك لا يمكن ان تستمر معادلة يطلب فيها من القوات الجنوبية ان تتحمل العب العسكري كلما تعلق الامر بالدفاع عن الجنوب ثم يطلب منها التقدم نحو صنعاء بينما تبقى قوى اخرى خارج المعركة او تنتظر نتائجها للتسلق عليها.


اذا كانت استعادة الدولة هدفا وطنيا فعلى الجميع ان يقدم ما يستطيع سياسيا وعسكريا وامنيا واقتصاديا وميدانيا.


وفي الوقت نفسه لا يمكن معالجة القضية الجنوبية بمنطق الاقصاء او اعادة انتاج الهيمنة السابقة

فالمطلوب هو شراكة حقيقية تعترف بحقوق ابناء الجنوب وتحترم ارادتهم وتضمن مشاركة قواه السياسية المختلفة وفي المقابل تتحمل القوى الشمالية المناهضة للحوثي مسؤوليتها في معركة استعادة صنعاء والدولة فالجنوب ليس ساحة لصراع الاخرين كما انه ليس بديلا عن المعركة في الشمال.


مجلس القيادة الرئاسي اليوم امام مسؤولية تاريخية اما ان ينجح في ادارة التعدد ضمن قرار وطني واحد او يبحث عن صيغة اكثر فاعلية تمنع تعدد مراكز القرار وتحافظ في الوقت نفسه على التوازن والتمثيل السياسي.


فالقوى التي شاركت في مشهد 1994 وفي مقدمتها المؤتمر وحزب الاصلاح وغيرها مطالبة بان تثبت ان حسابات اليوم تختلف عن حسابات الامس وانها تريد بناء شراكة لا استعادة نفوذ.


كما ان القوى العسكرية شمالا وجنوبا مطالبة بان تجعل قوتها جزءا من مشروع استعادة الدولة لا اداة لصراع داخلي او وسيلة لفرض امر واقع.


ومن المهم الا يعود الخطاب السياسي الى لغة التحريض المناطقي او الحزبي او الديني التي ساهمت في شحن المجتمع قبل حرب 1994.


اليمن اليوم بحاجة الى الانتقال من شراكة الضرورة الى شراكة وطنية حقيقية شراكة لا تعني ان يتخلى احد عن مشروعه السياسي وانما ان يعترف بحقوق الشريك ويرفض فرض الرؤية بالقوة ويتحمل كل طرف مسؤوليته.


وفي النهاية يبقى السؤال:

لماذا كانت القوى السياسية والحزبية والدينية اكثر تماسكا عندما خاضت حرب 1994 ضد الجنوب بينما تبدو اليوم أقل تماسكا في مواجهة الانقلاب الحوثي وتحرير صنعاء؟ ولماذا اصبح جزء من خطابها منصبا على الجنوب وقضيته بدلا من توحيد الجهود لانهاء الانقلاب واستعادة الدولة؟

هل ما زالت الاولوية هي استعادة الدولة وانهاء الانقلاب ام ان الصراع على الجنوب وموقعه السياسي اصبح اولوية لدى بعض القوى على حساب المعركة الوطنية الكبرى؟


ان الإجابة عن هذا السؤال ستكشف ما اذا كنا قد تعلمنا من 1994 لم اننا نعيد انتاج اسبابه بثوب جديد.