هناك كلمات لاتموت لكنها تُصاب بالإرهاق، تُستعمل كثيرا حتى تنسى معناها الأول، ثم تتحول إلى عباراتٍ بروتوكولية تؤدى كما تؤدى التحية العسكرية؛ لا تزيد ولا تنفص ولا يطالب أحدٌ بتطبيقها.
في حياتنا اليومية، لدينا قاموسٌ ضخم من الكلمات التي تبدو في ظاهرها كريمة، لكنها فى الواقع لا تتحمل اختبارا سهلا.
تقول لأحدهم: هل تستطيع أن تسدي لي هذه الخدمة؟ فيجيبك على الفور، ودون أن يرمش: ” من عيوني “ فتطمئن أن هذه الخدمة في طريقها إليك، فتمضي ساعة ثم ساعتان ثم يومان ثم تكتشف أن ” العيون “ مشغولة، وأن الخدمة مازالت عالقة في مكانها، وأن العبارة كانت أسرع من الفعل.
فتطلب من آخر خدمة بسيطة فيقول بثقة كبيرة: ” انت تأمر أمر “ وما إن تأمر فعلا حتى تبدأ رحلة الاعتذارات، والله مش بيدي.. الظروف هي السبب.. والله كنت أتمنى. فتدرك أن الأمر كان كلاما نظريا فقط، أما عمليا فذلك يحتاج إلى معجزة.
أما العبارة الأكثر كرما وسخاء ” أنا كلي لك " وهي جملة لو أخذناها على ظاهرها لاحتجنا إلى فريق طبي وقسم للجراحة، لكنها في الواقع لا تعني أكثر من أتمنى ألا تطلب شيئاً.
ولدينا أيضا العبارة الأسطورية الشهيرة ” أنا فدا لك " كلمة رائعة في معناها، فالفداء أعلى درجات التضحية لكنه في قاموس المجاملات لا يتجاوز ثمن فنجان شاي، قد يقولها لك شخصٌ ثم يتردد في إعارتك قلماً ، أو يعتذر عن توصيلة لا تستغرق خمس دقائق. يبدو أن الفداء مؤجل حتى إشعارٍ آخر.
ومن روائع قاموسنا اليومي أيضا: ” البيت بيتك " تدخل مرة فيكرمونك، تدخل الثانية يرحبون بك، أما الثالثة فتشعر أن البيت عاد إلى أصحابه الحقيقيين!
وكذلك عبارة: ”اعتبر موضوعك منتهي " هذه ليست وعدا بل أمنية جميلة، فالشيء الذي اعتبرته منتهياً، قد يبدأ رحلته الطويلة من التأجيل، حتى تنتهي أنت من الانتظار.
ليست المشكلة في المجاملة؛ فالمجاملة أجمل شيء في العلاقات، ولطف اللسان وجماله من مكارم الأخلاق. فالمشكلة تبدأ حين تصبح الكلمات بديلاً عن الأفعال، وحين يتحول الكرم اللغوي إلى تعويض عن البخل العملي، فيصبح قاموسنا مليئاً بالتضحيات التي لا تقع، والوعود التي لا تنفذ، والكرم الذي يعيش في الجملة أكثر مما يعيش في الواقع.
لقد فقدت بعض الكلمات معناها لا لأنها ضعيفة، بل لأننا أثقلناها بما لا تستطيع حمله حتى صارت العبارة تقال قبل أن يفكر قائلها، وتسمع قبل أن يصدقها سامعها.
وربما آن الأوان أن نُعيد لهذه الكلمات هيبتها، فمن اللائق أن يقول الإنسان: ساحاول إذا كان سيحاول، ولا أستطيع إذا كان لا يستطيع، فهذه الكلمات على بساطتها وعفويتها أكثر صدقاً من ألف عبارة تبدأ ب” من عيوني “ وتنتهي باعتذار طويل.
فالكلمات مثل العملات لا تفقد قيمتها حين تُنفق، بل حين تطبع بلا رصيد.