ليس ثمة ما هو أشد قسوة، ولا جرحاً يبلغ من الوجع مداه، من أن يقف الابن عاجزاً حاسر العينين أمام أمه؛ يتطلع في عينيها وهي تصارع الموت، ويرى روحها تتسرّب رويداً رويداً، وهو يرى نفسه مكبلاً لا يملك في جيبه ثمن حبة دواء واحدة تُخفف عنها أنينها أو تدفع عنها شبح الموت!
في زاويةٍ يلفّها الحزن واليأس داخل مستشفى السلام بعدن، يقف الأبناء مكسوري الخاطر، تُكبّلهم غصة العجز وتخنقهم العبرات بجوار سرير والدتهم الطاهرة جنيه سالم محمد (سبعون عاماً)، يراقبون صدرها الذي يعلو ويهبط بصعوبة، يمسكون بيديها الدافئتين اللتين طالما احتضنتاهم وربيتاهم، لكنهما اليوم باردتان، مثقبتان بإبر الغسيل الكلوي التي نهشت ما تبقى من عافيتها.
المأساة هنا لا تُحكى بالكلمات، بل تُبكى بدموع القهر والدم والانكسار.. مأساةٌ تتجسد بالكامل في ابنها "خالد معبد" ذلك المعلم التربوي الذي يقف اليوم حارساً لآلام والدته، حاملاً على عاتقيه إرث والده التربوي الراحل معبد ثابت العُمري.
خالد، كغيره من معلمي هذا الوطن، يجد نفسه اليوم أعزل في مواجهة الحياة؛ بلا رواتب منذ أشهر، وإن حضرت فهي فتاتٌ لا يسمن ولا يغني من جوع في ظل غلاء معيشي طاحن. تمزقه الظروف من الداخل؛ فهو الأب الذي يخرج من منزله والدمعة حائرة في عينيه، يعلم أن أطفاله الصغار يترقبون عودته بفارغ الصبر، ينتظرون منه شيئاً بسيطاً يسد رمق جوعهم، فلا يجد ما يعود به إليهم.. وهو ذاته الابن المكلوم الذي يقف عند رأس أمه السبعينية، يشاهدها وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة على السرير، ويعتصر قلبه ألماً لأنه لا يملك حتى ثمن حقنة مسكنة تُهدئ جسدها المتعب!
سبعون عاماً من عمر هذه الأم، انتهت إلى سرير لا تستطيع مغادرته. طاعنة في السن، ينهش الفشل الكلوي المزمن في أحشائها بعد 24 جلسة غسيل أحرقت جسدها، فيما يفتك بها السكري وارتفاع الضغط، وجاء كسر الورك وعملية التثبيت ليحكم عليها بالسجن الأبدي فوق الفراش، لتتسلل "قرح الفراش" كخناجر في جلدها المتعب، وتغرق في اضطراب وعي يقطع أمل الأبناء في سماع صوتها.
لكن الجرح الذي يدمي الروح، هو أن يرى الابن المعلم نفسه محاصراً أمام جبل من الديون بلغ 13 مليون ريال يمني!
تخيلوا مرارة الموقف وقسوته.. معلم أمضى عمره في تربية الأجيال، يخرج من غرفة العناية المشددة لمواجهة إدارة المستشفى والصيدليات، مطأطأ الرأس، مكسور الهيبة. يترجى هذا الطبيب ويتوسل ذاك الصيدلاني كي لا يوقفوا جرعة العلاج عن أمه لأن جيبه فارغ وراتبه منهوب! يخرج إلى ممر المستشفى البارد، يتوارى عن الأنظار ويستند برأسه إلى الجدار ليجهش ببكاء مرير، بكاء رجالٍ عزّ عليهم الطلب وضاقت بهم الأرض. يتمنى في تلك اللحظة لو يبيع روحه أو يفتدي أمه بدمه وعمره، لكن اليد قصيرة، والديون جدار صلب يطحن أنفاس العائلة بلا رحمة.
أمهم تذوب وتموت أمام أعينهم، وهم لا يملكون لها سوى المسح على رأسها، والدموع تنهمر على وجوههم وهي تختلط بآهاتها: "سامحينا يا أمي.. انكسرنا وضاقت بنا الحيلة، ولا نملك ما نشتري به عافيتك"
يا أهل النخوة في يافع.. يا أصحاب القلوب الرحيمة:
إن هؤلاء الأبناء لا يبكون مرارة المرض، بل يبكون مرارة "القهر" والعجز وقلة الحيلة أمام أمٍّ تلفظ أنفاسها الأخيرة لأن الفاتورة تجاوزت قدرتهم. أمكم الوالدة جنيه، حرم المربي الفاضل الراحل معبد ثابت العُمري، ووالدة المعلم خالد، تموت اليوم بين مقصلة ألم يمزق أحشاءها، ودينٍ ثقيل يحبس عنها أنفاس الحياة.
أنقذوا هذه الدموع قبل أن تتحول إلى حسرة أبدية. ارفعوا هذا الكابوس عن كاهل هذا المعلم وأسرته؛ فكل مبلغ -مهما صغر- هو حبل نجاة يمتد لهذه الأم، ويد حانية تكفكف دموع ابن مكلوم كسرته الحاجة والظروف الراهنة أمام أمه.
اللهم ارحم ضعفها، واشفِ جسدها، وفرّج كربة هذه الأسرة، واجزِ كل من مدّ يد العون خير الجزاء.
