آخر تحديث :الخميس-13 أغسطس 2026-08:22م

وفاءٌ وخُلود

الخميس - 13 أغسطس 2026 - الساعة 05:38 م
رفاه زاير جونه


قرأتُ ببالغ التأثر والوجوم الخبر الحزين الذي خطّته بنان الإعلامي الخلوق منصور عامر، وهو ينعى بقلبٍ مفعم بالحرقة والرضا بقضاء الله وقدره، زميلة دربه وعمله الراحلة الأستاذة إيمان جار الله. ولم أملك أمام كلماته الصادقة إلا أن أقف إجلالاً وإعجاباً بهذا الوفاء النادر والنبيل من إعلامي أصيل يسطر أروع صور الإخلاص لزميلة شاركته سنوات الكفاح والخدمة السامية.


ففي نوبة شجن صادقة، ونبض إيماني يفيض بالتسليم، زفّ الكاتب الوفي منصور عامر نبأ رحيل إحدى قامات العطاء الإنساني والصرح البارز في أرض عدن، الفقيدة إيمان جار الله، التي لبت داعي ربها فجر الأربعاء الموافق الثاني عشر من أغسطس لعام ألفين وستة وعشرين، بعد صراع مرير مع المرض، مخلّفة وراءها سيرة عطرة تُكتب بأحرف من نور في ذاكرة كل من عرفها.


وتضيء السطور على المحطات الأولى لتأسيس صندوق الرعاية الاجتماعية بمدينة عدن عام ألف وتسعمائة وستة وتسعين؛ حيث كانت الفقيدة الراحلة من أبرز الركائز والمداميك الأولى لهذا الصرح الخدمي النبيل.


أدارت الراحلة ملف الاعتمادات بجهد أليم وروح متفانية، وكانت صاحبة المؤهل الأكاديمي الأعلى والأرفى شهادة بين جميع زملائها عند الانطلاقة الأولى، فلم يزدها العلم إلا تواضعاً، ولم تزدها الشهادة إلا قرباً من البسطاء والضعفاء.

وقبل أن تتوسع الهياكل وتفتح الفروع كمناطق في عام ألفين وواحد، والمكاتب بالمديريات الثمان لعدن في عام ألفين وأربعة، كانت الفقيدة هي الحصن المنيع والقلب الرحيم؛ فتراها تقف خلف نافذة صغيرة لساعات طوال تتجاوز حدود الدوام الرسمي وتزيد أحياناً، لتستقبل عشرات المحتاجين، والفقراء، وغلايا الناس من المساكين والمستضعفين القادمين من كافة مديريات عدن الثماني مع البواكير الأولى للتأسيس، لتفتح لهم الاعتماد بالصرف وتسلمهم الكرت الخاص بالرعاية، وتفتح لهم أبواب الأمل، وتمنحهم السكينة بابتسامتها النبيلة التي كانت تسكب الأمن في أرواحهم الإنسانية المجهدة.

لقد كانت المرحومة إيمان جار الله أيقونة نادرة للوفاء والإنسانية، وسادنة حقيقية للقيم السامية، فلم تكن مجرد موظفة تؤدي واجبها، بل كانت ملاكاً يمشي على أرض عدن، ونموذجاً يقتدى به للمرأة النبيلة والعاملة المحترمة سلوكاً وأداءً. لقد زرعت قيم المحبة، والتسامح، والعطاء بين زملائها على مدى عقدين ونيف من الزمن خلال خدمتها السامية للمجتمع المحلي في عدن الكبرى، وظل أثرها الأخلاقي حياً في نفوس كل من رافقها وواكب مسيرتها المعطاءة، لتبقى رايتها بيضاء خفاقة في قلوب العارفين بفضلها.


وفي هذا الصباح الحزين، وبقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، وببالغ الحزن والأسى، رفع الكاتب أصادق التعازي والمواساة لأسرة الفقيدة وذويها في عدن وأبين، وفي عموم اليمن الكبير، وفي السعودية والخليج، كما عزى نفسه وأسرة صندوق الرعاية الاجتماعية بعدن، سائلاً الله تعالى أن يتغمدها بواسع رحمته، ويسكنها فسيح جناته، ويجعل قبرها روضة من رياض الجنة، وأن يلهم أهلها وأحباءها ورفيقات دربها الصبر والسلوان، مستشهداً بقوله تعالى: "وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون".


وأمام هذا النص الإنساني الفاخر، لا يسعني إلا أن أكرر تعجبي وإكباري لهذا القلم الرفيع للكاتب والإعلامي الخلوق منصور عامر، الذي يثبت دوماً أنه عنوان أصيل للشهامة ونبل الأخلاق. لقد سكب عامر من سويداء قلبه مداداً من الصدق، واستطاع بأسلوبه البليغ وسرده الممتع أن يخلد ذكريات زميلة الدرب، وأن يصوغ مرثية تقاطرت منها مشاعر الإجلال والمحبة الراقية، فجاءت كلماته كإكليل ورد يوضع على ضريح الفقيدة، ومرآة تعكس معدنه الذهبي النادر الذي لا ينسى أهل الأثر والفضل، ليقدم لنا بذلك درساً بليغاً في كيفية احتفاء الكبار بالأوفياء وتسجيل أسمائهم بحروف من نور في سفر الخالدين.