عندما تشرّبت المجتمعات اليمنية الإسلام طواعيةً، تسامحت في وضع نماذج مذهبية محلية الصنع، أو بالأحرى تنويعات محلية على الأصل الديني، تجتهد في مقاربته بالمكان وسياقه وتوائمه؛ فالشافعية في اليمن غير الشافعية في مصر والشام، والزيدية في اليمن تختلف عن زيدية العراق وبحر قزوين.
إن كل مذهب يقدّم نفسه في الأصل على أنه أكثر قربا وفائدة للناس والمجتمع من المذاهب الأخرى؛ هكذا أباحت الشافعية الطبل في المساجد، واستحسنت الزيدية الأناشيد الدينية رغم تحريمها الغناء أشد التحريم.
هذه السمة التاريخية للتسامح المذهبي المحلي هي التي تجعل ما يجري اليوم في اليمن أكثر خطورة وأعمق أثراً. فالحرب في صورتها العنيفة حرب عقائدية بامتياز، وقد أدخلتنا في دوامة حروب متجددة تناحرية. ولن تهدأ البلاد إلا بالعودة إلى فكر الوسطية والاعتدال. ما يحدث الآن ليس مجرد جولات قتال؛ إنه تغيير خطير في مفهوم التسامح والتعايش اجتماعيا وثقافيا، يتجه نحو التطرف والتكفير واستباحة الدماء، ويُعيد تشكيل بنية المجتمع العقائدي نفسه. والخطاب العقائدي المتطرف الذي يغذي هذا التغيير وافد في جوهره. فالتنازع بين الشيعة والسنة لا يكاد يُذكر في التاريخ اليمني على امتداد القرون إلا في مناوشات متفرقة كانت في الغالب بتأثير أطراف غير محلية وذات طابع سياسي.
من هنا يبرز المؤشر البنيوي الأوضح: اليمنيون هم أشد شعوب الأرض تديناً وجهلاً في آنٍ واحد. هذا التلازم يجيب ضمناً عن السؤال الجوهري: ما آفاق الحرب في اليمن ومستقبلها؟ أو ما فرص السلام؟ بل إن السؤال الأكثر واقعية يظل معلقاً: هل انتهت الحرب فعلاً في اليمن؟
عندما يذبح الإنسان المؤمن الحيوان أو الطير لمنفعته، يحب أن يذكر اسم الله، فيصبح القتل "شرعياً حلالاً". المنطق ذاته يُمدَّد إلى ساحات القتال؛ يهوى المقاتل أن يكون قتله شرعيا باسم الله. فهل بدأنا نفهم؟ وهل نتحسس الإجابة؟
منابر الحرب في البلاد تُصدّر مشاهدها العنيفة على ألسنة رجال الدين تحت عنوان مرعب: "استباحة دماء المخالف". وهذا هو الظلم الذي يستوجب، وفق النص الديني نفسه، حلول العقوبة الإلهية معجّلة في الدنيا قبل الآخرة، تتمثل في البأس الشديد بين أبناء المجتمع الواحد: "بأسهم بينهم شديد". أما إذا خلا الإيمان من الظلم الموجب للتمزق والشتات، كان حقاً على الله أن يكتب للمجتمع الأمن والأمان الذي هو اليوم أمسّ حاجاته: االَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ
اتخذت هواية تصدير العنف بُعدا دينياًعقائدياً عنيفاً. صحيح أنها خبت نسبياً عما كانت عليه في بداياتها عام 2015، حين أقدم الحوثي على مغامرات جنوباً وشرقاً رافعاً شعار الحرب على (الدواعش)، لترتد عليه الموجة بطرده وملاحقته حتى الحديدة تحت شعار دحر الغزاة (الروافض) الذين يسبّون الصحابة وينالون من أمهات المؤمنين. لكن المنطق الداخلي للحرب الدينية يبقى أشد وطأة وأشرس. فالمجاهدون، والعزاب منهم خاصة، قد ضمنوا الجنة ويشتاقون إلى بناتها. في بعض المناطق تزغرد النساء للميت العازب لأنه "سيتزوج في الجنة". هذا التحويل للموت إلى مكافأة أخروية يجعل وقف القتال أمراً بالغ التعقيد.
الحرب اليوم تراوح مكانها ليس بفضل هدنة حقيقية، بل لأن كل طرف أنهك وخارت قواه. فإذا آنس أحد الفريقين من نفسه قوة وبطشاً، تتلظّى الجبهة من جديد، وبضوء أخضر من الخارجي: "لن ترى الدنيا على أرضي وصيا"...
بهذا تتضح الصورة كاملة: الحرب العقائدية ليست مجرد غطاء لصراع سياسي، بل هي آلية إعادة إنتاج للعنف داخل نسيج المجتمع نفسه، تبتعد به يوماً بعد يوم عن نماذجه المذهبية المحلية المتسامحة. والحل لا يكمن في موازين القوى العسكرية وحدها، بل في استعادة القدرة التاريخية على صياغة نماذج مذهبية محلية متسامحة، وفي تفكيك الخطاب الوافد الذي حوّل الإيمان إلى أداة استباحة. فقط عندئذ يمكن أن يخرج اليمن من دوامة التناحر، ويعود الأمن حقاً لمن آمن ولم يلبس إيمانه بظلم.