في قلب اليمن تقف محافظة إب شامخة، عصية على الحوثي فهمًا وتغييرًا، فهذه المحافظة، الراسخة في مبادئها رسوخ جبالها، لم تكن يومًا مجرد جغرافيا خضراء ومدرجات وقرى معلقة بين السحاب، بل كانت مصنعًا للرجال والمواقف والتحولات الكبرى.
لإب الأرض والإنسان خصوصية في كل شي، حتى في معركتها مع الحوثي، فكلا الطرفين يدرك أنها ليست معركة سيطرة عسكرية أو إدارية فحسب، بل معركة أعمق تتصل بهوية المحافظة وذاكرتها السياسية وموقعها في تاريخ اليمن القديم والحديث. وعلى ذلك تبدو مهمة الحوثي في إب أكثر تعقيدًا من مجرد فرض سلطة بالسلاح أو نهب لثرواة المحافظة الغنية؛ لأن ما يحاول تغييره هناك ليس مؤسسة أو إدارة، بل تاريخ متراكم ووجدان تشكّل عبر عقود طويلة.
إب، الإنسان والجغرافيا التي احتضنت أول عاصمة مركزية لليمن الموحد في ظفار، التي ما تزال آثارها العظيمة ماثلة للعيان منذ آلاف السنين، ظلت ولّادة لرجال اليمن العظماء عبر القرون وصولًا إلى العصر الحديث.
من إب خرج رجال كانوا في قلب التحول الجمهوري في اليمن مع إخوانهم من بقية محافظات اليمن. منها جاء علي عبدالمغني، ابن السدة، وأحد أبرز قادة تنظيم الضباط الأحرار ومهندسي ثورة 26 سبتمبر 1962، الثورة التي أسقطت الحكم الإمامي وأعلنت قيام الجمهورية. ومنها جاء عبدالرحمن الإرياني، أحد أبرز رجال الحركة الوطنية، وأول رئيس مدني للجمهورية العربية اليمنية.
ولهذا لا تمثل ثورة سبتمبر في وعي أبناء إب حدثًا بعيدًا عنهم، بل جزءًا من سيرتهم وتاريخ أسرهم وقراهم ورجالهم. أبناء المحافظة لم يكونوا متفرجين على الجمهورية، بل كانوا من صناعها والمدافعين عنها، وقدموا في مراحل مختلفة رجالًا ومواقف أسهمت في تثبيت مبادئها وحماية حضورها في الوعي الوطني.
ولم يتوقف ثمن هذا الانحياز للجمهورية عند الماضي. فمنذ انقلاب الحوثي، قدمت إب آلاف الشهداء والجرحى من أبنائها دفاعًا عن الجمهورية وفي معركة تحرير اليمن، وانتشر مقاتلوها في مختلف الجبهات، جنبًا إلى جنب مع إخوانهم من أبناء المحافظات الأخرى. وهي تضحيات تؤكد أن إب لم تغادر معركة الجمهورية يومًا، حتى وهي بكامل ترزح اليوم تحت قبضة الحوثي جغرافيًا، لا عقائديًا ولا فكريًا.
وهنا تحديدًا تكمن المعضلة التي يواجهها الحوثي.
فهو يستطيع أن يفرض مشرفيه، وأن يسيطر على المؤسسات، وأن ينهب ويسرق، وأن يغير المناهج والمناسبات والشعارات، وأن يستخدم الاعتقالات والترهيب لإخماد الأصوات الرافضة، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يمحو تاريخًا بهذا العمق أو أن يقنع محافظة أسهم أبناؤها في إسقاط الإمامة بأن تتخلى عن الجمهورية وتتبنى مشروعًا يناقض جوهرها.
لهذا ظلت إب، رغم سنوات السيطرة الحوثية، وتعاظم جرائمه فيها، عصية على التحول إلى بيئة مطواعة. قد يصنع القمع صمتًا، لكنه لا يصنع اقتناعًا، وقد تمنع القوة الناس من التعبير، لكنها لا تستطيع أن تعيد تشكيل ذاكرتهم بالطريقة التي تريدها السلطة.
الحوثي يعرف هذه الحقيقة، ولذلك تبدو حساسيته المفرطة تجاه رموز 26 سبتمبر واحتفالاتها مفهومة في محافظة مثل إب، فرفع علم الجمهورية هناك ليس مجرد احتفاء بذكرى وطنية، بل تذكير دائم بأن لهذه المحافظة مرجعيتها ورموزها وقصتها الخاصة مع اليمن الجمهوري.
ومهما طال زمن الحوثي، فإن ابتلاع محافظة إب سيظل هدفًا بعيد المنال، والحال ذاته ينطبق على بقية محافظات اليمن، لكنني أتحدث اليوم عن إب تحديدًا لكوني أحد أبنائها. هذه المحافظة التي أنجبت قادة الثورة وحمت مبادئها قادرة على استعادة دورها حين تأتي اللحظة المناسبة.
وحين تأتي تلك اللحظة، لن تكون إب وحدها. سيكون أبناؤها على الموعد مع إخوانهم في تعز ومأرب وصنعاء والحديدة وذمار والبيضاء والضالع وشبوة وحجة وبقية محافظات اليمن. فمعركة استعادة الجمهورية ليست معركة محافظة دون أخرى، بل معركة شعب يتقاسم الهدف والمصير، وإب التي كانت حاضرة في لحظات اليمن الكبرى لن تتخلف عن موعدها مع بقية اليمنيين.
وعندما تحين ساعة التحول الكبير، سيكون لأبناء إب قولهم وموقفهم، وستكون لتضحياتهم وامتدادهم وحضورهم كلمتهم في الميدان. وقد تصبح إب مرة أخرى واحدة من أهم بوابات استعادة الجمهورية، ومفتاحًا حقيقيًا للنصر.