قال تعالى:
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ۗ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾
أيها القتلة، حين تُغمضون عيونكم نومًا، هل تنامون حقًا؟
ماذا عن أجساد الأبرياء التي مزقتموها أشلاء؟ وماذا عن أمهات ثكلى تروي دموعهن مأساة غياب أحبابهن؟ هل تسمعون أصوات الأيتام والأرامل حين يهبط الليل، أم أن ضجيج الحقد قد أصمّ آذانكم، فلم تعد صرخات الضحايا تبلغ مسامعكم؟
ترى، كم من الدماء تريدون أن تسفكوا حتى تشبع أحقادكم؟ وكم من الأبرياء يجب أن يسقطوا حتى تدركوا أن الدم لا يصنع مجدًا، وأن الظلم لا يمنح صاحبه نجاة؟
إن القتل لا يتحول إلى بطولة مهما كثرت الشعارات التي تُرفع فوقه، والظلم لا يصبح حقًا لمجرد أن مرتكبيه أحاطوه بالأسماء المقدسة أو ادعوا لأنفسهم نسبًا إلى الصالحين. فالقيم لا تورث بالدم، والانتساب إلى الرموز لا يمنح صاحبه حصانة من الحساب.
ولو كان الحسين رضي الله عنه بينكم، أكنتم تتركونه حيًا؟
إن السؤال ليس عن الحسين وحده، وإنما عن المبدأ الذي مثّله: الوقوف في وجه الظلم، ورفض أن يتحول الدين إلى غطاء للقوة الغاشمة، أو أن تصبح الدماء وسيلة لإثبات الحق.
فلا تدّعوا زورًا نسبًا إلى عليّ، ثم تسلكون طريقًا هجره عليّ. ولا تتستروا خلف أسماء فاطمة وزينب، فالأرحام الطاهرة لا تُنجب القتلة، ولا تحمل رايات الظلم. ومن أراد أن ينتسب إلى أولئك العظام، فليحمل من أخلاقهم وعدلهم وشجاعتهم، لا أسماءهم وشعاراتهم فقط.
إن القاتل لا يرى في البراءة نجاة، بل يرى فيها خصمًا؛ ولذلك لا يترك بريئًا إلا لاحقه بأذاه، ولا دمًا إلا سفكه، ولا بيتًا إلا أدخله في الحزن. وحين يتحول الإنسان إلى مجرد رقم في حسابات القوة، يصبح قتل الأبرياء عنده تفصيلًا عابرًا، بينما هو في حياة الضحية مأساة لا تنتهي.
يا أشباه قتلة الأنبياء، أما آن لكم أن تتعظوا بمن سبقكم من الظالمين؟ ألم تجدوا في بشار وغيره ممن سبقوه من المجرمين وقتلة الشعوب عبرةً وعظةً؟ كم من طغاة ظنوا أن قوتهم ستبقيهم فوق الحساب، ثم انتهوا إلى صفحات سوداء في ذاكرة التاريخ؟
إن التاريخ لا يرحم القتلة، حتى وإن استطاعوا لفترة أن يفرضوا روايتهم بالقوة. وقد يستطيع الظالم أن يسكت صوت الضحية، لكنه لا يستطيع أن يمحو الحقيقة إلى الأبد. وقد ينجح في إخفاء الجريمة عن أعين الناس، لكنه لا يستطيع إخفاءها عن ذاكرة الدم، ولا عن عدالة الله.
لكن للظلم نهاية، وللدم المسفوح ذاكرة لا تموت، وللمظلوم ربٌّ لا يغفل.
وما بين دمعة أم، وصرخة يتيم، وبيت أطفأ القتل فرحته، تبقى الحقيقة التي لا تستطيع القوة إسكاتها: أن الدماء لا تضيع، وأن المظلوم وإن عجز عن أخذ حقه في الدنيا، فله رب لا يظلم عنده أحد.
ولهذا يأتي التحذير القرآني حاسمًا، لا يحتاج إلى كثير من الكلام:
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾.