لم نعد نفهم هذه الحرب ولا أظن أن هناك من يجرؤ على ادعاء فهمها اليوم .
بدأت القصة بشعارات عريضة ومفهومة دعم الشرعية القضاء على الانقلاب الحوثي واستعادة الدولة المسلوبة حينها انتعش الأمل وسكبت الدماء زكية في الميادين وبالفعل حين أتيحت الفرصة وتوفرت الإرادة تهاوت عروش الانقلاب تطهّر الجنوب كاملاً على ايدي ابطال الجنوب ووصلت أقدام أبطال ألوية العمالقة الجنوبية إلى قلب الحديدة لم تكن تفصلنا عن تحرير الميناء والاستيلاء على الشريان الحيوي للجماعة سوى ساعات معدودات .
لكن وفي لحظة فارقة غريبة صدرت الأوامر بالوقف الفوري للتقدم ولم يتوقف الأمر عند كبح الجماح بل تلا ذلك انسحاب مسرحي للقوات وتحت مسميات مطاطية مثل إعادة التموضع ومنذ ذلك الحين دخلت البلاد في حالة مائعة لا حرب ولا سلام شلل تام استنزفت الجميع باستثناء تجار الحروب .
تدريجياً تحول هذا اللاحرب واللاسلام إلى أمر واقع يكرس التشظي وجد الجميع أنفسهم أمام جغرافية مقسمة عملياً :
نظامان ماليان وعملتان مختلفتان رغم انهما يحملان نفس الاسم حكومتان وتشريعات متضاربة وإيرادات سيادية جغرافية اقتصاد موازي ومؤسسات مفرغة من مضمونها .
أما الدستور والقانون فقد رجم بهما الجميع عرض الحائط لم يبقَ من مسمى الجمهورية اليمنية سوى خرقة قماش تُسمى علماً ونشيد وطني يُعزف في المناسبات الرسمية لإسقاط الواجب بينما الحقيقة على الأرض تقر بوجود سلطات وأمر واقع متعدد الأوجه .
اليوم تعود ضربات الحوثي التصاعدية وبقوة تستهدف المنشآت والموانئ وتفرض معطيات جديدة وفي المقابل لا نرى من جانب الشرعية سوى بيانات الشجب والاستنكار والتنديد المتآكل الذي لا يسمن ولا يغني من جوع .
الحقيقة المرة التي يجب أن نملك الشجاعة لمواجهتها هي أن اليمن أصبحت مجرد اسم في خارطة النسيان .
فالمليشيا الحوثية لا تتحرك بقرار يمني أو وطني بل تلعب دوراً مرسوماً لها بـ ريموت كنترول خارجي يخدم أجندات إقليمية لا علاقة لها بمصلحة المواطن الذي يسحق يومياً .
والشرعية في المقابل رهنت قرارها وسياستها للخارج حتى فقدت القدرة على المبادرة أو حتى الدفاع عن نفسها وعن حلفائها الحقيقيين في الميدان وهمها الوحيد كيف تبقى بالحكم وتستلم المخصصات المالية وتحافظ على حياة البذخ بالخارج .
إن استمرار هذا العبث ومحاولة القفز على حقائق الميدان عن طريق خطابات إعلامية متشنجة يعني شيئاً واحداً تصفية ما تبقى من مفهوم الدولة وتحويل الجميع إلى مجرد حطب لحروب الآخرين بالوكالة لقد تعب الناس من المراهنة على السراب وحان الوقت ليعلم الجميع أن الدول لا تُستعاد بالبيانات ولا تُفرض بالقوة الإعلامية والأوطان لا تُبنى بـ الريموت كنترول .
والأدهى من ذلك أنه وفي الوقت الذي بات فيه الجنوب منفصلاً تماماً بواقعه وإدارته وأمنه عن الشمال محررا بدماء ابنائه يُقابل أبناء الجنوب وحقهم المشروع في المطالبة بعودة دولتهم التي اصبحت منفصلة تماما عن الشمال بـ عنجهية وفوقية شديدة من قِبل إعلام الشرعية والغالبية العظمى من منتسبيها الشماليين .
إن حالة الإنكار المزمن والهجوم الإعلامي المتواصل على تطلعات الشارع الجنوبي لا تنبع من الحرص على الوحدة أو الدولة بل تحركها دوافع أكثر برجماتية وخوفاً على المصالح فهذه المجموعة الشمالية النافذة في هيكل الشرعية تجد نفسها اليوم بلا جغرافية حقيقية تحكمها في الشمال وتبحث عملياً عن وطن بديل تُدافع فيه عن بقائها . لقد أصبحت هذه القوى تترأس شرعية يمنية إسمية لا سلطة لها واقعياً إلا على أرض الجنوب وبالتالي يمثل استقلال الجنوب أو استعادته لدولته تهديداً مباشراً ووجودياً لامتيازاتها الحصرية ومصالحها الضخمة التي تجنيها من نهب ثروات الجنوب وإيراداته لذلك سلمت الامر للخارج كي تبقى بالحكم بدعم خارجي وليس بقوة تملكها هي على الارض .
يتجلى هذا العبث حين نرى أن تلك المديريات القليلة المتبقية خارج سيطرة الحوثي في الشمال (كبعض مناطق مأرب أو تعز) أصبحت تتصرف وكأنها دول داخل الدولة فلا هي تخضع قراراتها للسيادة المركزية ولا هي تورّد إيراداتها إلى البنك المركزي في عدن بل امتنعت حتى عن الاعتراف بشرعية المنظومة المالية في العاصمة المؤقتة عدن إنها ازدواجية صارخة يرفضون تقديم قرش واحد للدولة التي يمثلونها بينما يستميتون في مهاجمة الجنوبيين لضمان الاستحواذ على أرضهم وخيراتها تحت لافتة الشرعية والجمهورية .