آخر تحديث :الأربعاء-12 أغسطس 2026-09:04م

أحد عشر عاماً من الحرب.. من يدير المحافظات المحررة ولصالح من؟

الأربعاء - 12 أغسطس 2026 - الساعة 02:58 م
عبدالله الجفري


أحد عشر عاماً مرت على اليمن منذ اندلاع الحرب، وما زال السؤال الذي يتهرب الجميع من الإجابة عنه قائماً: لماذا لم تصل البلاد إلى الاستقرار حتى اليوم؟


لماذا تحولت الحرب، التي كان يفترض أن تنتهي بإنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة وفرض سلطة القانون، إلى واقع دائم؟ ولماذا كلما طال أمد الأزمة ازداد حال المواطن سوءاً، بينما اتسعت في المقابل دائرة المناصب والامتيازات والمخصصات والنفقات المرتبطة بإدارة السلطة؟


هذه ليست أسئلة عن الماضي فقط، بل عن حاضر اليمن ومستقبله، وعن منظومة كاملة أدارت المحافظات والمناطق المحررة طوال هذه السنوات باسم الدولة والشرعية.


فماذا كانت النتيجة؟


أمن هش، واقتصاد منهك، وخدمات تتراجع، ورواتب مقطوعة أو متأخرة، وأسعار ترتفع، ومؤسسات تتآكل، ومجتمع يفقد ثقته بالدولة وبمن يتحدثون باسمها.


ولم يعد المواطن يسأل فقط: متى تنتهي الحرب؟ بل أصبح يسأل سؤالاً أكثر مرارة: من المستفيد من استمرارها؟


فالحرب بالنسبة للمواطن مأساة يومية، لكنها بالنسبة لبعض المتنفذين تحولت إلى منظومة مصالح ونفوذ ومواقع ومخصصات، بينما تتسع معاناة الناس عاماً بعد آخر.


وهنا تبرز مسؤولية قيادة الدولة وكل من شارك في إدارة المناطق المحررة وصناعة القرار فيها.


فبعد أحد عشر عاماً، من حق المواطن أن يعرف: أين ذهبت موارد الدولة؟ وكيف أُديرت الإيرادات؟ وكم أنفقت الدولة على المرتبات والمخصصات والإعاشات والبدلات؟ ومن هم المستفيدون منها؟


ومن حقه أيضاً أن يعرف حجم ما يتقاضاه المسؤولون والقيادات بمختلف مستوياتهم، وما إذا كانت مرتباتهم ومخصصاتهم وبدلاتهم تتوافق مع القوانين والأنظمة المالية للدولة، وتخضع للإجراءات الرقابية والمراجعة والمساءلة القانونية.


هذه ليست دعوة إلى التشهير بأحد، وإنما مطالبة طبيعية بالشفافية. فالمال الذي يُنفق باسم الشعب يجب أن يكون معلوماً للشعب.


وإذا كانت الدولة قادرة على تمويل مستويات واسعة من المسؤولين والقيادات، فلماذا تعجز عن توفير راتب موظف، أو خدمة أساسية، أو علاج لمريض، أو كهرباء مستقرة، أو ماء يصل إلى منزل المواطن؟


المشكلة ليست في قلة الموارد وحدها، وإنما في طريقة إدارتها، وأولويات الإنفاق، وغياب المحاسبة.


بعد أحد عشر عاماً من إدارة المحافظات والمناطق المحررة، أين هي النتائج التي يفترض أن يلمسها المواطن؟ أين المؤسسات التي يفترض أن تكون أقوى؟ أين الخدمات التي يفترض أن تتحسن؟ أين الرقابة على المال العام؟ ومن يتحمل مسؤولية ما وصلت إليه الأوضاع؟


فالدولة التي كان يفترض أن تكون أداة لإنقاذ اليمن وإنهاء الانقلاب واستعادة مؤسساتها وحماية مواطنيها، أصبحت تُدار في ظل تعدد مراكز النفوذ وتداخل المصالح، وتوزع القرار بين قوى مختلفة، بقي المواطن وحده يتحمل نتائج هذا التعدد وكلفته.


عندما تصبح المناصب وسيلة للنفوذ، والمخصصات والبدلات امتيازاً، والموارد العامة مجالاً مفتوحاً للصرف، وتتحول المؤسسات إلى مواقع مرتبطة بموازين القوة السياسية والعسكرية، فإن السؤال لم يعد عن ضعف الإدارة فقط، وإنما عن طبيعة الإدارة نفسها: هل تُدار الدولة من أجل استعادتها وبنائها، أم تُدار بما يحافظ على مصالح القوى الموجودة داخلها؟


والأخطر أن استمرار الحرب لم يعد بالنسبة لبعض مراكز النفوذ مجرد أزمة يُفترض إنهاؤها، بل واقعاً ترتبط به مواقع ومصالح وأدوار سياسية وأمنية، ويستمر من خلاله التحكم في موارد الدولة وثروات الشعب.


وبعد أحد عشر عاماً من هذا النزيف، لم يعد مقبولاً الاكتفاء بالقول إن استمرار الحرب نتيجة للعجز أو تعقيد المشهد؛ فاستمرارها، بالتزامن مع استمرار الامتيازات والمصالح المرتبطة بها، يفرض سؤالاً لا يمكن تجاهله: هل هناك من داخل منظومة السلطة من لا يريد لهذه الحرب أن تنتهي، نعم، لأن نهايتها قد تعني انتهاء مواقع ومصالح وامتيازات بُنيت على استمرارها؟


وهنا يصبح الحديث عن الوطنية بحاجة إلى الصراحة.


لا يمكن أن يُطلب من شعب أنهكته الحرب أن يواصل التضحية والصبر، بينما يرى أن بعض من يخاطبونه يعيشون بعيداً عن واقعه.


الوطنية ليست شعاراً يُرفع أمام الكاميرات، وإنما مسؤولية تُقاس بما يُقدم للمواطن، وبمدى احترام المال العام، والالتزام بالقانون، وتحمل المسؤولية والمساءلة.


لقد أصبح هناك انفصال خطير بين الخطاب السياسي والواقع الشعبي.


السياسي يتحدث عن الصمود، والمواطن يسأل: إلى متى؟


والسياسي يتحدث عن الوطن، والمواطن يسأل: أين نصيبه من هذا الوطن؟


وهذا الانفصال هو أحد أسباب أزمة الثقة التي نعيشها اليوم.


ولذلك، إذا أرادت قيادة الدولة أن تخاطب الشعب بصدق، فعليها ألا تبدأ بخطاب جديد، وإنما بإجراءات تكشف الحقيقة.


وليكن السؤال أمام الجميع:


ماذا قدمتم للشعب مقابل ما أخذتم من ماله؟


إن الدولة التي لا تحاسب مسؤوليها تفتح الباب للنفوذ والفساد، والدولة التي لا تكشف مواردها تهيئ بيئة لغياب الشفافية، والدولة التي تطلب من المواطن التضحية بينما تعفي أصحاب السلطة من المساءلة تفقد أهم ما تحتاجه للبقاء: ثقة الناس.


ومن هنا، فإن مسؤولية ما وصلت إليه المحافظات والمناطق المحررة لا يمكن أن تُلقى على الحكومة وحدها، ولا على وزارة بعينها، ولا على حزب أو مكون واحد.


المسؤولية تقع على منظومة إدارة سياسية كاملة، وعلى كل من شارك في صناعة القرار، أو استفاد من السلطة، أو سكت عن الخلل، أو امتلك القدرة على الاعتراض ولم يفعل.


لقد آن الأوان لأن تتوقف السياسة عن التعامل مع المواطن باعتباره رقماً في كشوفات الناخبين أو جمهوراً يُستدعى عند الحاجة إلى المواقف والشعارات.


فاليمنيون اليوم لا يحتاجون إلى خطاب وطني جديد بقدر ما يحتاجون إلى كشف حساب وطني؛ يبدأ من أعلى سلطة، ويمر بكل مؤسسة وكل مورد، ولا يستثني حليفاً ولا خصماً، ولا حزباً ولا مكوناً، ولا مدنياً ولا عسكرياً.


فإذا كانت هناك دولة، فلتظهر في الحساب والمساءلة.


وإذا كانت هناك شرعية، فلتظهر في حماية حقوق الناس.


وإذا كانت هناك وطنية، فلتظهر في تحمل المسؤولية.


أما أن يبقى المواطن يدفع ثمن الحرب والانهيار، بينما يظل المستفيدون من السلطة والمال العام خارج دائرة السؤال، فذلك يعني أن المشكلة لم تعد فقط في الحرب التي لم تنتهِ، وإنما في منظومة مصالح قد تكون قد أصبحت تستفيد من بقاء الأزمة أكثر مما تعمل على إنهائها.


وبعد أحد عشر عاماً، لم يعد السؤال مجرد متى تنتهي الحرب، وإنما: من يدير المحافظات والمناطق المحررة؟ وكيف تُدار مواردها؟ ولصالح من تُدار البلاد؟


فاليمن لا يحتاج إلى استمرار إدارة الأزمة، بل إلى إدارة تقود إلى إنهائها، وإلى دولة تُقاس شرعيتها بما تحققه لمواطنيها، لا بما تمنحه من مواقع وامتيازات لمن يتولون السلطة.