حين يصبح الفشل الدراسي أكثر ربحاً من أعلى درجات العلم !!!!؟؟؟؟
يا بني…
إذا أردت نصيحتي، فلا تتعب نفسك كثيراً في الدراسة.
لا تحفظ كثيراً، ولا تسهر على الكتاب، ولا تُرهق عينيك في القراءة، ولا تضيع سنوات عمرك في الجامعة، ولا تدخل في دوامة الماجستير والدكتوراه.
وإياك أن تصبح أستاذاً جامعياً!
فقد ينتهي بك الأمر إلى سبعمائة ريال سعودي في الشهر!!!!
أما إذا أردت أن تختصر الطريق، فهناك خيارات أخرى أكثر "ذكاءً"!
اترك مقعد الدراسة، وابحث عن تشكيل عسكري.
هناك يمكن أن تبدأ بألف وخمسمائة ريال سعودي أو أكثر.
أمٌا إذا ابتسم لك الحظ، وجاءتك رتبة عسكرية بلا مسار تأهيلي يوازيها، فقد تجد نفسك في خانة الثلاثة آلاف، أو الأربعة آلاف، أو الخمسة آلاف ريال سعودي، فضلاً عن الامتيازات التي لا تدخل عادةً في حسبة الراتب!!!
أرأيت يا بني؟
ما حاجتك إلى الجامعة؟
فالدولة ــ في بعض صور واقعها ــ قد تكون قد أعادت تعريف "النجاح" بطريقة لا تحتاج معها إلى كتاب!!!
أيها السادة ....
هذه ليست دعوة حقيقية للطلاب إلى ترك الدراسة بالطبع.
إنها السخرية السوداء من واقع أصبح فيه السؤال عن قيمة التعليم سؤالاً مشروعاً.
إنها صرخة في أذن كل غيور على التعليم في اليمن .
فسامحنا أيها المعلم ،،،
سامحنا لأننا طلبنا منك أن تصنع جيلاً متعلماً، ثم تركناك أنت تكافح من أجل لقمة العيش.
سامحنا لأننا قلنا لك:
"أنت صاحب رسالة."
وكأن "الرسالة" تُدفع بها فاتورة الكهرباء، ويُشترى بها الخبز، ويُعالج بها مريض، وتُدفع بها إيجارات البيت!
سامحنا لأننا أكثرنا الحديث عن مكانتك، بينما لم نمنحك من هذه المكانة ما يليق بها في الواقع.
سامحنا لأننا قلنا لك إنك "حجر الزاوية في العملية التعليمية"، ثم وضعنا حجراً فوق راتبك، وحجراً فوق طموحك، وحجراً فوق كرامتك، وطلبنا منك أن تواصل الابتسام!!!
يا له من حجر زاوية!
زاوية بلا جدار، وسقف بلا بيت!!!
أمٌا أستاذ الجامعة…
فسلام عليك أيها الأستاذ النبيل
يا صاحب السبع مئة !!
ذلك الذي لم يصل إلى موقعه مصادفة....
سنوات من الدراسة.
بحث.
مناقشات.
رسائل علمية.
مؤتمرات.
تأليف.
تدريس.
تصحيح.
إشراف.
وتجارب طويلة حتى يصل إلى الدرجة العلمية التي يفترض أن تجعل المجتمع ينظر إليه باعتباره أحد أعمدته.
ثم تأتيه الدولة بورقة الراتب وتقول له:
تفضل… راتب زهيد لا يعادل سبعمائة ريال سعودي!!!
ثم تمر بجواره رتبة عسكرية حديثة الولادة، وربما لطالب فشل في دراسته فتقول له:
ابتعد قليلاً… أنا أهم منك!!!؟؟؟؟
فلا تستغربوا بعد ذلك إذا شعر الأستاذ الجامعي أن المجتمع فقد عقله.
فهو يدرٌَس العقول، بينما الأرقام الرسمية تعطيه درساً يومياً في عبث الأولويات.
لا مشكلة في أن نكرم العسكري
ولكي لا يسيء أحد فهم الكلام:
نحن لا نقول إن العسكري لا يستحق راتباً محترماً.
ولا نقول إن من يحمي الناس لا يستحق التقدير.
بل العكس.
الجندي الشريف الذي يقف في الميدان، ويحمي الناس، ويؤدي واجبه، يستحق كل احترام وإنصاف، وتقدير .
ولكن....
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح السلاح طريقاً أسهل إلى الدخل من التعليم، وعندما تصبح الرتبة أعلى قيمة من التأهيل، وعندما يشعر المجتمع بأن الطريق إلى الامتيازات لا يمر بالضرورة عبر الكفاءة.
هنا تصبح القضية أكبر من راتب.
تصبح قضية دولة.
حين تصبح الرتبة شهادةً عليا!
في الدول التي تحترم نفسها، الرتبة ليست زينة على الكتف...
إنها مسؤولية.
وراءها تأهيل، وتدريب، وانضباط، وخبرة، ومعرفة بالقانون، وفهم للمؤسسة العسكرية.
أما حين تتحول الرتبة إلى "هبة"، فإنها لا ترفع صاحبها فقط…
بل تخفض قيمة الذين أفنوا أعمارهم في التأهيل.
وهنا تبدأ الكارثة:
أنت تقول للطالب:
اجتهد.
والواقع يقول له:
ليس ضرورياً.
تقول له:
احصل على الشهادة.
فيقول له الواقع:
هناك طرق أقصر.
تقول له:
كن أستاذاً جامعياً.
فتجيبه الأرقام:
لا تفعل!
يا سادة ...
التعليم لا يموت فجأة.
التعليم لا يستيقظ صباحاً فيجد نفسه ميتاً.
إنه يموت ببطء...
يموت عندما يشعر المعلم أن مهنته لا قيمة لها.
ويموت عندما يفقد الطالب ثقته بأن التعليم طريق إلى المستقبل.
ويموت عندما يهاجر أصحاب الكفاءات.
ويموت عندما تصبح المدرسة مكاناً لتضييع الوقت، لا لصناعة المستقبل.
ويموت عندما يصبح صاحب الشهادة يبحث عن وظيفة، بينما يحصل غير المؤهل على امتيازات أكبر.
ثم نأتي بعد ذلك لنسأل:
لماذا لا يتفوق الطلاب؟
أيها السادة…
لا يمكن أن تزرع في رأس الطالب قيمة لا يراها في حياة معلمه.
إذا قلت له:
العلم نور.
ثم رأى صاحب العلم يعيش في العتمة…
فهو لن يصدقك.
المعلم هو أول وزير في حياة الطفل...
قبل أن يعرف الطفل اسم الوزير، يعرف اسم معلمه.
وقبل أن يعرف معنى الدولة، يعرف معنى المدرسة.
وقبل أن يفهم الدستور، يتعلم النظام من طابور الصباح.
وقبل أن يعرف معنى المسؤولية، يتعلمها من واجبه المدرسي.
المعلم هو أول شخصية عامة تمارس سلطة التربية في حياة الإنسان.
ولهذا فإن إهانة المعلم ليست إهانة لفرد.
إنها إهانة لفكرة بناء الإنسان...
إهانة للمجتمع .
ومن هنا يجب أن نفهم خطورة ما يحدث.
فنحن لا نتحدث عن موظف يريد زيادة راتبه.
نحن نتحدث عن ( المهندس الأول للعقل البشري).
الدول التي تهمل التعليم ستدفع الفاتورة لاحقاً.
لكنها سوف تدفعها مضاعفة.
تدفعها في البطالة.
وفي الفقر.
وفي الجريمة.
وفي التطرف.
وفي الفساد.
وفي ضعف الإدارة.
وفي انهيار المؤسسات.
وفي هجرة العقول.
وفي أجيال لا تجد أمامها سوى الخيارات السهلة والسريعة.
أما الدولة التي تستثمر في المعلم، فهي تختصر على نفسها كثيراً من فواتير المستقبل.
لأن المعلم الجيد قد يمنع جريمة لم تقع.
وقد يصنع طبيباً ينقذ آلاف الأرواح.
وقد يخرج مهندساً يبني مدينة.
وقد يصنع قاضياً يحمي حقاً.
وقد يربي مواطناً لا يبيع وطنه مقابل حفنة من المال.
وهذا هو سر الاستثمار الحقيقي.
يا أصحاب القرار… لا تقتلوا الحلم بالأرقام...
ليس مطلوباً أن يكون المعلم أغنى رجل في البلد.
لكن من العار أن يكون الذي يحمل رسالة بناء الإنسان عاجزاً عن بناء حياته.
وليس مطلوباً أن نحرم العسكري من حقه.
لكن من الظلم أن نجعل السلاح أكثر إغراءً للشباب من الكتاب.
وليس المطلوب أن نخفض رواتب أحد.
المطلوب أن نرفع قيمة الجميع وفق الكفاءة والمسؤولية والتأهيل.
أن تصبح الرتبة ثمرة علم وخبرة.
وأن تصبح الشهادة طريقاً إلى حياة كريمة.
وأن يصبح المعلم من أصحاب المكانة، لا من أصحاب الشكوى.
وأن يعرف الطفل أن مستقبله لا يحتاج إلى التخلي عن الكتاب كي يصبح محترماً.
وأخيراً....
لا تلوموا الجيل الجديد كثيراً.
فالجيل لا يتعلم من خطبنا… بل يتعلم من واقعنا.
وإذا كان واقعنا يقول له:
"لا تدرس يا بني… اترك المدرسة وخذ رتبة!"
فلا تستغربوا غداً إذا بحثنا عن العلماء فلم نجدهم، وعن المعلمين فلم نجدهم، وعن المهندسين فلم نجدهم…
ثم جلسنا جميعاً في مؤتمر كبيييييير بعنوان:
"استراتيجية النهوض بالتعليم وبناء الإنسان".
وسنضع على المنصة لافتة ضخمة…
وسنلقي كلمات طويلة عن المستقبل…
وسنصفق كثيراً…
ثم نعود إلى جدول الرواتب نفسه!
وهنا فقط، سيكون الوطن قد نجح في أخطر امتحان…
امتحان تحويل الجهل إلى حافز، والعلم إلى عقوبة، والمعلم إلى فقيرٍ يعلّم الناس كيف يصبحون شيئاً لا يستطيع هو أن يكونه.