لم تكن أبين هذه المرة على موعد مع عرضٍ مسرحي عابر، ولا مع خشبةٍ تُضاء لبضع ساعات ثم ينطفئ نورها؛ كانت على موعد مع عودة الروح إلى المسرح، ومع لحظة ثقافية طال انتظارها، بعد عقودٍ ثقيلة من المرارة والمعاناة والأحداث التي أثقلت كاهل المواطن، وأخذت من أبين الكثير من أفراحها وألوانها ومساحاتها الجميلة.
ومن على خشبة المسرح، جاءت مسرحية «للخلف دور» لتقول إن أبين، رغم كل ما مرّ بها، لم تمت، ولم تفقد قدرتها على الإبداع والحياة.
لقد استطاعت نخبة من فناني أبين أن تلتقط وجع الشارع، وأن تحوّل صوت المواطن المجروح إلى مشاهد فنية اجتماعية هادفة، قُدّمت بأسلوب قريب من الناس، وبطرح مقبول استطاع أن يصل إلى وجدان الجمهور، وأن ينتزع منه التفاعل والإعجاب.
كانت «للخلف دور» أكثر من مجرد مسرحية؛ كانت رسالة اجتماعية من قلب أبين إلى أبين، ورسالة أخرى إلى كل من يراهن على أن الأزمات قادرة على إطفاء جذوة الإبداع.
فالإنسان الأبيني الذي عاش سنوات من الألم والقلق والحرمان، يستحق أن يرى شيئاً آخر غير أخبار الأزمات، ويستحق أن يجد في المسرح مساحةً للضحكة والتأمل والنقد والتعبير، وأن يرى أبناءه وفنانيه يصنعون من الألم فناً، ومن المعاناة رسالة، ومن الخشبة نافذةً للأمل.
وهنا لا يمكن أن تمر هذه العودة دون الوقوف إجلالاً أمام كل من آمن بأن الثقافة والفن جزء من معركة بناء الإنسان.
شكراً لمحافظ محافظة أبين الدكتور اللواء مختار الرباش الهيثمي، على الثقة والاهتمام والدعم، وعلى إيمانه بأن أبين لا تُبنى بالطرق والمشاريع وحدها، وإنما تُبنى أيضاً بالثقافة والفن، وبإعادة الاعتبار للمسرح والفنان والمبدع.
وشكراً لكل من أسهم في صناعة هذه اللحظة، وفي مقدمتهم مدير مكتب الثقافة بمحافظة أبين الأخ حسين بامطيره ، والأستاذة انتباه سيلان مديرة ساحة الشهداء ، والأستاذ ياسر رشيد الكازمي، ومدير عام صندوق النظافة والتحسين بالمحافظة الشاب مروان باقس، والاعلامي المبدع عبدالله الظبي وكل من وضع بصمته في هذا العمل.
وشكراً للصحفي الرائع الأستاذ نظير كندح، الذي لم يكن مجرد متابع للعمل، بل كان حاضراً ومرافقاً ومجتهداً، وظل إلى جانب الفريق حتى خرجت المسرحية إلى النور وايضا للمصور المبدع هاشم شيخان السقاف على تغطيته ولقطاته المبدعة للعمل وتوثيقه لهذا العمل.
والتحية كذلك لعمال الساحة، رجالاً ونساءً، بقيادة الأستاذ انتباه، الذين بذلوا جهوداً ربما لا تظهر على خشبة المسرح، لكنها كانت جزءاً أساسياً من نجاح المشهد.
والشكر موصول للجنود ورجال الحماية الذين أسهموا في تأمين المسرح، وللجمهور الأبيني الرائع الذي حضر ليقول بصوت واضح:
أبين حاضرة... وأبين قادرة... وأبين لا تزال ولّادة في شتى المجالات.
لقد كان الجمهور في حد ذاته جزءاً من العرض؛ فقد كسب الرهان، وأثبت أن الناس، مهما أنهكتهم الظروف، لا يزالون يبحثون عن الفرح، وعن الكلمة، وعن الفن الذي يشبههم ويعبّر عنهم.
وللفرقة المسرحية جميعاً، كل التحية والتقدير، فقد حملتم على أكتافكم مسؤولية ليست سهلة، ووقفتم أمام جمهور ينتظر منكم شيئاً مختلفاً، فكنتم على قدر الموعد.
أما المخرج العزيز علي حزام، فله تحية خاصة على جهده ورؤيته وإصراره على أن تخرج هذه التجربة بالصورة التي تليق بأبين وفنانيها.
وكما قال الشاعر الفقيد الجابري رحمه الله عليه من قصيدته المعبرة عن ابين وأهلها في ابياته الأخيرة :
متى يابين متى باتكملي العده
وباتتكحلي يازينة الاسبال
وبا تتبخري بالعود وباتتعطري من عطر بوهنده
وباتتلبسي المخمل مع الدسمال
وباترمي الثياب السود
وقالت لي تنشادك بلغ حده
كفى لاعاد تتألئل علي ائلال
ولاتنشد بلا منشود
والقادم أجمل.