آخر تحديث :الجمعة-14 أغسطس 2026-01:22ص

حين تتحول النسوية من وعيٍ بالحقوق إلى معولٍ يهدم الأسرة

الثلاثاء - 11 أغسطس 2026 - الساعة 07:20 م
علوي سلمان


الحديث عن المرأة اليمنية لا يكتمل دون الوقوف عند ظاهرة بدأت تتسلل إلى بعض البيوت، حين تتحول بعض الخطابات النسوية من مطالبة مشروعة بالكرامة والحقوق إلى خطاب صدامي يجعل العلاقة بين الرجل والمرأة أشبه بمعركة لا بد فيها من غالب ومغلوب.

فالمرأة التي تعرف حقوقها وتحافظ على كرامتها، وتطالب بالعدل والاحترام، امرأة واعية تستحق التقدير؛ أما حين تتحول بعض الأفكار النسوية إلى دعوة مستمرة لمواجهة الرجل، وتصوير الزوج باعتباره خصمًا، والزواج باعتباره قيدًا، والتعاون الأسري باعتباره تنازلًا عن الحقوق، فهنا تبدأ المشكلة.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للأسرة ليس أن تعرف المرأة حقوقها، وإنما أن تُقنعها بعض الخطابات بأن كل واجب عليها ظلم، وكل تنازل منها ضعف، وكل اختلاف مع زوجها اضطهاد، وكل طاعة في المعروف انتقاص من شخصيتها.

وحين تدخل هذه الأفكار إلى البيت بلا وعي ولا توازن، فإنها قد تزرع في قلب الزوجة شكًا دائمًا، وتدفعها إلى قراءة كل موقف باعتباره انتقاصًا منها، وكل كلمة باعتبارها محاولة للسيطرة عليها، وكل اختلاف باعتباره معركة يجب أن تنتصر فيها.

وهنا يتحول البيت شيئًا فشيئًا.

كان بالأمس بيتًا تسكنه المودة، فيصبح ساحة للجدال.

وكان الزوجان يتحدثان ليتفاهما، فيصبح كل حوار بينهما محاولة لإثبات من الأقوى.

وكانت الزوجة تصبر على بعض الأمور الصغيرة التي تمر بها كل أسرة، فأصبحت ترى الصبر ضعفًا، والتسامح تنازلًا، والاعتذار هزيمة.

ويصبح الزوج بدوره أكثر قسوة، وتصبح الزوجة أكثر عنادًا، وتتسع المسافة بينهما، ويدخل الأبناء في منتصف الصراع، فيعيشون في بيت واحد بأجسادهم، لكن قلوبهم موزعة بين أب غاضب وأم ناقمة.

من خلاف الزوجين إلى تفكك الأسرة

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

فالخلاف بين الزوج والزوجة لا يبقى دائمًا بين شخصين؛ فإذا طال واتسع، امتدت آثاره إلى الأبناء، ثم إلى العائلتين، ثم إلى المجتمع.

وقد تبدأ القصة بكلمة صغيرة:

«أنا امرأة ولي حقوق».

وهي عبارة صحيحة في أصلها.

لكن المشكلة حين تُفهم الحقوق على أنها طريق لإلغاء المسؤوليات، أو حين يصبح كل حديث عن واجبات الزوجة تخلفًا، وكل حديث عن واجبات الزوج استبدادًا.

فالأسرة لا يمكن أن تقوم بالحقوق وحدها، كما لا يمكن أن تقوم بالواجبات وحدها؛ إنها تقوم على التوازن والمودة والرحمة والتعاون.

ومن المؤسف أن بعض الخطابات المتشددة تدفع المرأة إلى مقارنة بيتها ببيوت أخرى، وزوجها برجال آخرين، وحياتها بحياة نساء في مجتمعات مختلفة، ثم تجعلها تنظر إلى كل ما تعيشه بعين السخط.

فتبدأ المقارنات:

لماذا لا يفعل زوجي ما يفعله زوج فلانة؟

لماذا أطبخ؟

لماذا أخدم؟

لماذا أتحمل؟

لماذا أتنازل؟

لماذا أراعي ظروف زوجي؟

لماذا أشارك في مسؤوليات البيت؟

ثم تتحول هذه الأسئلة من أسئلة عابرة إلى قناعات، ومن القناعات إلى مواقف، ومن المواقف إلى خصومات، ومن الخصومات إلى قطيعة.

وهكذا يمكن لفكرة بدأت بعنوان «الوعي» أن تتحول، إذا غاب عنها العقل والحكمة، إلى معول يهدم جدران بيت كان يمكن أن يستمر بالحب والتفاهم.

ليست المشكلة في المرأة الواعية

ولكي نكون منصفين، فإن المرأة الواعية ليست عدوًا لزوجها.

والمرأة المثقفة ليست خطرًا على الأسرة.

والمرأة التي تطالب بحقوقها ليست متمردة لمجرد أنها تعرف ما لها وما عليها.

بل إن المرأة الواعية حقًا هي التي تعرف كيف تجمع بين الكرامة والرحمة، والاستقلال والمسؤولية، والحق والواجب، والقوة واللين.

كما أن الرجل الواعي لا يخاف من امرأة متعلمة ولا من زوجة صاحبة رأي، وإنما يفرح بشريكة تفكر معه وتعينه ويعينها.

فالأسرة ليست مؤسسة عسكرية يصدر فيها أحد الأوامر ويتلقى الآخر التعليمات، وليست حلبة صراع بين جنسين؛ إنها وطن صغير، إذا تهدم، لم يبقَ لأفراده مكان آمن يعودون إليه.

أخطر النسوية حين تجعل المرأة تخاصم طبيعتها ومجتمعها

ولعل أخطر ما يقع فيه بعض المتأثرات بالخطابات النسوية المتشددة هو محاولة استنساخ تجارب اجتماعية أجنبية أو عربية مختلفة عن البيئة اليمنية، دون النظر إلى اختلاف التاريخ والثقافة والبنية الاجتماعية والاقتصادية.

فليس كل ما يصلح في مجتمع آخر يصلح بالضرورة في المجتمع اليمني، وليس كل ما تفعله امرأة في أوروبا أو أمريكا أو أي مجتمع عربي آخر يمكن نقله إلى البيت اليمني دون وعي بالسياق.

إن التطور لا يعني أن نتخلى عن هويتنا، والانفتاح لا يعني أن نكره موروثنا، والحرية لا تعني أن نقطع صلتنا بالأسرة.

فالمرأة اليمنية تستطيع أن تتعلم وتعمل وتنجح وتبدع، وأن تكون في الوقت نفسه ابنة بارة، وزوجة محبة، وأمًا حانية، وعضوًا فاعلًا في مجتمعها.

ولا شيء في ذلك ينتقص من إنسانيتها.

إن المشكلة ليست في أن تكون المرأة قوية؛ بل في أن تُفهم القوة على أنها خصومة.

وليست المشكلة في أن تكون مستقلة الشخصية؛ بل في أن تتحول الاستقلالية إلى رفض لكل شراكة.

وليست المشكلة في أن تعرف حقوقها؛ بل في أن تنسى أن للآخرين حقوقًا أيضًا.

حين يصبح البيت ضحية للأفكار

إن البيت اليمني المتماسك ثروة اجتماعية لا ينبغي التفريط فيها.

فالأسرة اليمنية، رغم ما أصابها من الحرب والفقر والأزمات، ظلت في كثير من الأحيان الملجأ الأخير للإنسان؛ يجد فيها الأبناء آباءهم وأمهاتهم، ويجد الزوج زوجته، وتجد الزوجة زوجها، ويجد الجميع شيئًا من الأمان وسط عالم مضطرب.

فلا ينبغي أن نسمح لأي خطاب، نسويًا كان أو ذكوريًا، أن يحول هذا البيت إلى ساحة حرب.

فالخطاب الذكوري المتسلط يهدم الأسرة حين يحقر المرأة ويصادر رأيها، والخطاب النسوي المتشدد يهدمها حين يحول الرجل إلى خصم دائم ويجعل التفاهم معه تنازلًا مذمومًا.

والحكمة ليست هنا ولا هناك.

الحكمة في العدل.

وفي المودة.

وفي أن يعرف الرجل قدر المرأة، وأن تعرف المرأة قدر الرجل.

وفي أن يدرك الاثنان أن الزواج ليس معركة لإثبات من انتصر، وإنما رحلة طويلة يحتاج فيها كل واحد منهما إلى الآخر.

فإذا انهدم جسر الحوار، بدأت الأسرة بالتصدع، وإذا ماتت الرحمة، صار الخلاف خصومة، وإذا غابت الحكمة، أصبح الطلاق أقرب من الصلح.

ومن هنا فإن المرأة اليمنية لا تحتاج إلى خطاب يجعلها تكره الرجل، كما أن الرجل اليمني لا يحتاج إلى خطاب يجعله يخاف من المرأة.

كلاهما يحتاج إلى خطاب يقول لهما:

كونا شريكين، لا خصمين.

احفظا البيت، ولا تجعلا كبرياء اللحظة يهدم عمرًا كاملًا.

علّما أبناءكما أن الرجل والمرأة ليسا عدوين، وإنما شريكان في صناعة الحياة.

فالأسرة التي تتماسك بالمحبة أقوى من كل العواصف، أما الأسرة التي تتحول إلى ساحة صراع بين أفكار مستوردة أو قناعات متطرفة، فقد تبدأ قصتها بخلاف صغير، وتنتهي ـ لا قدر الله ـ ببيت مغلق، وأبناء مشتتين، وقلوب تحمل جراحًا لا تلتئم بسهولة.

ولذلك فإن أكرم ما يمكن أن نقدمه للمرأة اليمنية ليس أن ندفعها إلى الحرب مع الرجل، وإنما أن نمنحها وعيًا يحفظ حقوقها وكرامتها، ويصون في الوقت نفسه بيتها وأسرتها ومجتمعها.

فالمرأة ليست مطالبة بأن تكون ضعيفة حتى تكون زوجة صالحة، والرجل ليس مطالبًا بأن يكون متسلطًا حتى يكون رجلًا.

إنما أجمل ما في الحياة أن يجد كل منهما في الآخر سكنًا لا خصمًا، ورفيقًا لا منافسًا، وقلبًا إذا أرهقته الحياة وجد عنده الراحة.