آخر تحديث :الجمعة-14 أغسطس 2026-09:24م

ما لا تقوله الأشياء... المرآة التي لم تكذب يوماً!

الثلاثاء - 11 أغسطس 2026 - الساعة 05:43 م
د. سمير أحمد بوست


في آخر الممر... كانت هناك مرآة. ليست كبيرة، ولا يحيط بها إطار فاخر، ولو دخل البيت زائرٌ لأول مرة، فربما مرَّ بجانبها دون أن يلتفت إليها.


أما أهل البيت...

فكانوا يمرون أمامها كل صباح.

الطفل قبل أن يحمل حقيبته.

والأب قبل أن يغادر إلى عمله.

والأم وهي ترتب حجابها.

والجد...

كان يقف أمامها لحظات أطول من الجميع.

ثم يبتسم...

ويمضي.


وفي صباحٍ من الصباحات، سأله حفيده:

"جدي... لماذا تنظر إلى المرآة كل يوم، مع أنك تعرف وجهك جيدًا؟!"

ابتسم الجد. ولم يجب إلا بجملة واحدة:

"لست أنظر إليها لأرى وجهي." ثم خرج.

أما الطفل...

فظلت الجملة تكبر داخله، أكثر مما كبر هو.

وكأن في الأشياء العادية... حكايات غير عادية؟!


مرت الأعوام.

تغير لون الجدران.

واستُبدلت قطع الأثاث.

ورحلت وجوهٌ أحبها البيت طويلًا.

لكن المرآة...

بقيت في مكانها.


وفي صباحٍ هادئ، وقف الحفيد أمامها.

لم يكن متعبًا من العمل.

ولا من السفر.

كان متعبًا من نفسه.

رفع رأسه...

ونظر طويلًا.

وفجأة... عاد إليه صوت جده:

"لست أنظر إليها لأرى وجهي."

وفي تلك اللحظة...

فهم.


لم تكن المرآة تخبره إن كان شعره مرتبًا.

ولا إن كانت ملابسه أنيقة.

كانت تسأله سؤالًا آخر...

سؤالًا لا يظهر على الزجاج:

هل ما زلت تشبه الإنسان الذي كنت تحلم أن تكونه؟!


منذ ذلك اليوم...

لم يعد يقف أمامها ليطمئن إلى ملامحه.

بل ليطمئن إلى شيء لا يراه الناس.

ليرى نفسه كما لا يراها أحد.

واكتشف أن الإنسان قد يقضي عمرًا كاملًا وهو يُحسن ترتيب صورته...

بينما ينسى، بهدوء، أن يرتب ما لا تراه المرآة.


تأملت تلك المرآة طويلًا.

وأدركت أن الأشياء الصامتة...

قد تكون أكثر صدقًا من الكلمات.

فالمرآة لا تجامل.

ولا تبرر.

ولا تصفق لأحد.


كل ما تفعله...

أن تعكس ما يقف أمامها.

تعكس الحقيقة كما هي.

ولعل هذا ما يجعل كثيرين يخشون الحقيقة...

لا لأنها قاسية.

بل لأنها واضحة.


وربما لهذا...

لا تحتاج الأمم إلى مزيد من المرايا التي تُحسن تزيين الصور.

إنها تحتاج إلى مرايا تملك شجاعة أن ترى الحقيقة... وأن تقولها بهدوء.

تحتاج الدولة إلى مؤسسات تنظر إلى واقع الناس كما هو، لا كما تحب أن تراه؛ مؤسسات تسمع الشكوى، وتراجع أداءها، وتعترف بالخلل حين يوجد، ثم تعمل على إصلاحه بدل البحث عن مبرراته.


وتحتاج المؤسسات العامة إلى أن تتذكر أن الأرقام والتقارير لا تختصر حياة الناس، وأن وراء كل قرارٍ أثرًا على إنسان، ووراء كل خدمةٍ كرامةً ينبغي أن تُصان.


ويحتاج التجار وأصحاب الأعمال والمؤسسات الخاصة إلى مرآتهم أيضًا...

مرآة تذكرهم بأن النجاح ليس في مقدار ما يبيعون فقط، بل في كيف يبيعون، وماذا يقدمون، وكيف يعاملون الناس، وما الذي يبقى من اسمهم بعد أن تنتهي الصفقة.


فالأمانة في التجارة ليست شعارًا جميلًا...

والجودة ليست ترفًا...

واحترام العميل ليس مجاملة.

إنها كلها صور من المسؤولية التي تجعل النجاح أكثر قيمة، والربح أكثر بركة، والثقة أكثر دوامًا.


ويحتاج المجتمع كله إلى شيء أبسط وأعمق:

أن نتعلم أن نراجع أنفسنا قبل أن نبحث عن أخطاء الآخرين.


والأهم من كل ذلك...

أن تكون هناك رقابة لا تراها الكاميرات، ولا تسجلها التقارير، ولا يحتاج الإنسان معها إلى أن يخاف من عين الناس.


أن يراقب الإنسان الله عز وجل قبل أن يراقبه الناس.

أن يفعل الصواب حين لا يراه أحد.

وأن يؤدي الأمانة حين لا يسأله عنها أحد.

وأن يرفض الظلم ولو كان قادرًا على ممارسته.

وأن يختار الصدق حتى حين يكون الكذب أسهل.


فحين تستيقظ هذه الرقابة في داخل الإنسان...

تصبح القوانين أقوى أثرًا، والمؤسسات أكثر نزاهة، والتجارة أكثر أمانة، والعلاقات أكثر احترامًا.


فكثير من الأزمات...

لا تبدأ لأن الحقيقة غابت.

بل لأنها كانت حاضرة أمام الجميع...

ولم يُرِد أحد أن ينظر إليها.


وأحيانًا لا تكون المشكلة في أننا لا نعرف ما يجب إصلاحه...

بل في أننا نعرفه جيدًا، ثم نؤجل مواجهته.


وقبل أن أغادر...

وقفت أمام المرآة لحظة.

لم أقف لأتأكد أن مظهري بخير.

ولا لأرى كيف يراني الآخرون.

وقفت لأسأل نفسي سؤالًا آخر:

كيف يراني الله حين لا يراني أحد؟!

ثم بقيت صامتًا لحظات... كأنني أنتظر من المرآة جوابًا.

لكنها، كعادتها... لم تقل شيئًا.

فهي لا تستطيع أن تجيب عن هذا السؤال.

ذلك السؤال لا تجيب عنه المرآة...


بل يجيب عنه الإنسان، كل يوم، بما يفعله حين لا يراه أحد.


وربما...

لهذا لم تكن أعظم وظيفة للمرآة أن تعكس وجوهنا.

بل أن تمنحنا، كل صباح، فرصةً نادرة...


لنلتقي بذلك الإنسان الذي لا يراه أحد...

إلا نحن.