في كل معركة، لا يكون السلاح وحده حاضرًا في الميدان؛ فهناك معركة أخرى موازية تستهدف الوعي والمعنويات، وتُستخدم فيها الشائعات والتضليل لإرباك الصفوف والتشكيك في أهداف المعركة ومسارها.
ومنذ يوم أمس، بدأت أصوات تروّج لحديث عن مفاوضات ووفود تصل وتغادر، في محاولة واضحة لصناعة حالة من الإرباك، وإيصال رسائل توحي بأن هناك تراجعًا أو تسوية وشيكة، بينما ما يجري على الأرض يقول شيئًا آخر.
هذه المحاولات ليست جديدة، وقد سبق أن شهدنا نماذج منها في مراحل سابقة، حين جرى استخدام الشائعات والتضليل للتأثير على الرأي العام وإرباك المشهد، قبل أن تكشف التطورات الميدانية حقيقة تلك الروايات.
وهنا أقصد جماعة الانتقالي المنحل (العدارسة)، ولنا معهم تجربة أثناء اجتياح حضرموت والمهرة.
اليوم، تتكرر المحاولة ولكن بصورة أكثر وضوحًا، عبر الترويج لفكرة أن «الحرب لا تعني الجنوبيين».
وهنا يبرز السؤال: كيف لا تعني الحرب الجنوبيين، والحوثي يهاجم جبهات جنوبية، من حريب إلى الضالع وغيرها من الجبهات التي تتواجد فيها القوات الجنوبية؟
إن المعركة على الأرض لا تعترف بهذه الحدود التي يحاول البعض رسمها في مواقع التواصل الاجتماعي. فالاستهداف الحوثي لا يفرّق بين جبهة وأخرى، ولا بين شمالي وجنوبي، وإنما يستهدف كل من يقف في وجه مشروعه العسكري والسياسي.
وخلال الأشهر الماضية، شهدت المؤسسة العسكرية عملية دمج لمختلف التشكيلات تحت قيادة واحدة، وأصبحت الجبهات أكثر ترابطًا من أي وقت مضى. ولذلك فإن استهداف أي جبهة لا يمكن النظر إليه باعتباره معركة منفصلة؛ لأن الجبهات، في نهاية المطاف، تشكل منظومة واحدة في مواجهة عدو واحد.
ومن هنا، فإن محاولة إقناع الجنوبيين بأن ما يجري «لا يعنيهم» ليست سوى قراءة قاصرة للواقع، أو محاولة لعزل الجنوب عن معركة قائمة بالفعل على حدوده وجبهاته.
أما الحديث عن المفاوضات والوفود، فإن الميدان وحده هو القادر على إثبات حقيقة ما يجري، وليس المنشورات المتداولة وحسابات مواقع التواصل الاجتماعي. وإذا كانت هناك تطورات سياسية حقيقية، فإنها ستظهر عبر قنواتها الرسمية، ولن تحتاج إلى حملات من الشائعات والتسريبات لإقناع الناس بها.
المطلوب اليوم ليس الانجرار خلف كل ما يُنشر، بل قراءة المشهد كما هو، والتمييز بين المعلومة الموثوقة والشائعة التي تهدف إلى كسر المعنويات وإرباك الصفوف.
لقد بدأت المعركة، والمرحلة الحالية تتطلب قدرًا أكبر من الثبات والوعي، لأن الحرب النفسية لا تقل خطورة عن المعركة العسكرية. ومن يراهن على إضعاف المعنويات عبر الشائعات، عليه أن يدرك أن الوعي الشعبي والموقف الميداني أقوى من أي حملة تضليل.
كما أن الخلافات السياسية أو المواقف من أي مكون لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة للوقوف على الحياد تجاه مشروع الحوثيين؛ فالخلاف السياسي شيء، ومواجهة مشروع مسلح يستهدف الدولة ومؤسساتها ويمد نفوذه بالقوة شيء آخر.
الهدف الأساسي يجب أن يبقى واضحًا: استعادة الدولة ومؤسساتها وإنهاء الانقلاب، دون أن تسمح الشائعات أو الحسابات السياسية الضيقة بتغيير بوصلة المعركة.
أما من اختار الوقوف مع الحوثي أو الترويج لمشروعه، فعليه أن يدرك أن المعركة التي يخوضها الحوثي لا تستهدف طرفًا دون آخر، وإنما تستهدف كل من يقف في طريق مشروعه.
المعركة واحدة، والهدف واحد، والعدو واحد.
وصنعاء، بالنسبة لمن يؤمن باستعادة الدولة، ليست مجرد شعار؛ بل هدف سياسي وعسكري لن تغيره الشائعات، ولن تعطل الوصول إليه حملات التضليل.