لا أحب عادةً أن أتحدث عن التفاصيل والمواقف الإنسانية التي أشاهدها في حياتي، فبعض المواقف تظل أجمل حين تبقى في الذاكرة. لكن هناك مواقف تستحق أن تُروى، ليس من باب التطبيل أو المديح، وإنما لما تحمله من معانٍ إنسانية يمكن أن تكون درسًا لكل مسؤول، ورسالة تذكّر بأحوال الفقراء والمرضى والمحتاجين.
قبل نحو أسبوع، كنت برفقة معالي وزير الأوقاف والإرشاد الشيخ تركي بن عبدالله الوادعي، في مبنى وزارة الأوقاف والإرشاد بالعاصمة المؤقتة عدن.
وبينما كنا نغادر مبنى الوزارة، لفت انتباهنا وجود امرأة بسيطة كانت تنتظر الوزير في أسفل المبنى. وما إن رأته حتى اقتربت منه وهي تحمل بين يديها تقريرًا طبيًا، وتغالب دموعها التي كانت تختصر كثيرًا من الألم والعجز.
كانت المرأة وتواجه ظروفًا قاسية بعد أن عجزت عن توفير تكاليف علاج ابنتها التي ترقد في أحد المستشفيات، وتحتاج إلى عملية جراحية عاجلة.
لم تكن تملك من الأمر شيئًا سوى أن ترفع شكواها إلى من ظنت أنه يستطيع مساعدتها.
استمع إليها الوزير بهدوء، واطلع على التقرير الطبي، ثم وجّه بصورة مباشرة بالتكفل بالعملية وعلاج ابنتها.
لم تكن المفاجأة في القرار وحده، بل في المشهد الإنساني الذي أعقبه؛إذ انهمرت دموع المرأة، لكنها هذه المرة كانت دموع فرح وامتنان بعد أن وجدت من يستمع إليها ويقف إلى جانبها في وقت كانت فيه أبواب كثيرة قد أُغلقت أمامها.
ذلك الموقف، في تقديري، أكبر من أن يُختزل في خبر أو صورة أو عبارة عابرة.
فالمسؤولية ليست مكتبًا ومنصبًا وحضورًا رسميًا فقط، وإنما هي قبل ذلك قدرة على الاستماع إلى الناس، والشعور بآلامهم، والاقتراب من معاناتهم، خصوصًا أولئك الذين لا يملكون القدرة على الوصول إلى أصحاب القرار.
ولعل أجمل ما في الموقف أن المرأة لم تكن بحاجة إلى موعد رسمي أو معاملة طويلة أو وساطة؛ فقد وجدتها أمامها لحظة خروج الوزير من مبنى الوزارة، فاستمع إليها وتعامل مع قضيتها باعتبارها حالة إنسانية تستحق الوقوف معها.
وهنا تكمن الرسالة التي دفعتني إلى كتابة هذه الكلمات.
لسنا بحاجة إلى مسؤول يكتفي بسماع شكاوى الناس من خلف المكاتب، بقدر حاجتنا إلى مسؤول يقترب منهم، ويرى معاناتهم، ويشعر بوجعهم، ويبحث عن حلول لما يستطيع حله.
وما قام به معالي الشيخ تركي الوادعي في هذا الموقف لا أكتبه مديحًا لشخصه، وإنما أسجله باعتباره موقفًا إنسانيًا يستحق الإشادة والتأمل، وأتمنى أن يكون نموذجًا يحتذى به في تعامل المسؤولين مع الفقراء والمرضى وأصحاب الحاجة.
فكم من إنسان يحمل وجعًا لا يعرف به أحد، وكم من أم تقف خلف أبواب المستشفيات عاجزة عن توفير علاج طفلها، وكم من محتاج ينتظر فقط من يسمع صوته دون أن يشعره بالمنّة أو الحرج.
المناصب زائلة، لكن المواقف الإنسانية تبقى في ذاكرة الناس.
وقد ينسى المواطن اسم المسؤول ومنصبه، لكنه لن ينسى يدًا امتدت إليه في لحظة ضعف، ولا موقفًا أعاد إليه الأمل بعد أن ظن أن أبواب الفرج قد أُغلقت.
لهذا، فإن موقف وزير الأوقاف والإرشاد الشيخ تركي الوادعي مع تلك المرأة الفقيرة يستحق أن يُروى، لا باعتباره إنجازًا استثنائيًا، وإنما باعتباره تذكيرًا بالمعنى الحقيقي للمسؤولية: أن تكون قريبًا من الناس، وأن ترى الإنسان قبل المعاملة، والحاجة قبل الإجراءات، والرحمة قبل كل شيء.
وليت كل مسؤول يضع بين عينيه دائمًا أن خلف كل طلب قصة إنسان، وخلف كل شكوى أسرة، وخلف كل دمعة أمًّا تبحث عن بارقة أمل.