آخر تحديث :الثلاثاء-11 أغسطس 2026-02:38م

المدارس تفتح أبوابها في زمنٍ صعب.. والتعليم جبهةٌ لا تقل أهمية عن جبهات القتال

الثلاثاء - 11 أغسطس 2026 - الساعة 10:01 ص
صبري سالم بن شعيب


مع إشراقة عام دراسي جديد، تستعد المدارس في مختلف المحافظات لاستقبال أبنائنا الطلاب، وتُفتح أبواب الفصول من جديد، حاملةً معها أملاً كبيراً بأن يكون هذا العام أفضل من سابقه، وأن تستمر عجلة التعليم رغم كل الظروف القاسية التي تعصف بالوطن والمواطن.

لكن الحقيقة التي يجب أن نقولها بصراحة ودون تجميل هي أن العام الدراسي الجديد يبدأ في ظروف استثنائية وصعبة للغاية؛ فالأسرة اليمنية تعاني من أعباء اقتصادية ومعيشية متزايدة، والمعلم يواجه أزمات متراكمة، والمدرسة الحكومية تعاني نقصاً في الإمكانات، بينما يقف الطالب بين كل هذه الظروف حاملاً حقيبته وأحلامه، منتظراً أن يجد في مدرسته بيئة تساعده على التعلم وبناء مستقبله.

وفي هذا الشهر، ومع ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات شديدة القسوة، خصوصاً في المدن والمناطق الساحلية، تصبح مهمة المدارس أكثر صعوبة، لا سيما في ظل انعدام الكهرباء أو عدم انتظامها في كثير من المدارس الحكومية. فكيف يمكن للطالب أن يستوعب دروسه في فصل دراسي شديد الحرارة؟ وكيف يستطيع المعلم أن يؤدي رسالته بكفاءة وهو يقف لساعات طويلة أمام طلابه في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات الراحة؟

إنها ليست شكوى عابرة، وليست محاولة للبحث عن الأعذار، وإنما واقع يجب أن تتعامل معه الجهات المسؤولة بجدية وشجاعة.

المعلم في جبهة لا تقل خطورة

هناك جبهات يعرفها الجميع، تُخاض فيها المعارك بالسلاح، وهناك جبهة أخرى قد لا يسمع العالم أصواتها، لكنها تحدد مستقبل اليمن كله: جبهة التعليم.

وفي هذه الجبهة يقف المعلم في الصف الأول.

المعلم الذي ينتظر راتبه المتأخر، أو يتقاضى راتباً لم يعد يتناسب مع أبسط متطلبات الحياة، ثم يُطلب منه أن يذهب إلى مدرسته يومياً، وأن يؤدي رسالته بكامل طاقته، وأن يتحمل أعباء التدريس والإدارة والظروف الاجتماعية والنفسية للطلاب.

نحن لا نقلل من واجبات المعلم، بل نؤكد أن عليه مسؤولية وطنية وأخلاقية عظيمة، لكن الواجبات لا يمكن أن تكون بلا حقوق، والمسؤولية لا يمكن أن تُبنى على المعاناة وحدها.

فالمعلم إنسان لديه أسرة، وأطفال، واحتياجات أساسية من غذاء ودواء ومواصلات وسكن. ومن الصعب أن نطالبه بالعطاء المستمر بينما حقوقه المعيشية تتآكل يوماً بعد آخر.

ولهذا فإن انتظام صرف رواتب الكادر التربوي، وتحسينها، ومعالجة أوضاع المعلمين، ليست مطالب فئوية ضيقة، وإنما هي استثمار مباشر في مستقبل التعليم والوطن.

الطالب هو الضحية إذا فشلنا

أما الطالب، فهو الحلقة التي يجب أن نخشى عليها أكثر من غيرها.

فالأوضاع الاقتصادية الصعبة قد تدفع بعض الأسر إلى إخراج أبنائها من المدارس والزج بهم في سوق العمل، أو تحميلهم مسؤوليات تفوق أعمارهم، وقد تؤدي الظروف الاجتماعية إلى تسرب آخرين من التعليم بصورة تدريجية حتى يجد الطالب نفسه خارج المدرسة دون أن يشعر.

وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة:

لا ينبغي أن نخسر طالباً واحداً بسبب الفقر أو الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية.

كل طالب يترك مقعده الدراسي هو مشروع مستقبل نخسره.

وكل طفل يتسرب من المدرسة اليوم قد يصبح غداً عاملاً في ظروف قاسية، أو ضحية للجهل، أو فريسة سهلة للاستغلال والتطرف والانحراف.

أما الطالب الذي يبقى في المدرسة، ويتعلم، ويحصل على الرعاية والتوجيه، فهو مشروع طبيب ومهندس ومعلم وقائد وباحث ورجل دولة، وهو في النهاية جزء من مستقبل اليمن الذي نريد بناءه.

لا يكفي أن نفتح أبواب المدارس

فتح المدارس واستقبال الطلاب خطوة مهمة، لكنها ليست النهاية.

السؤال الحقيقي هو: ماذا وجد الطالب عندما دخل المدرسة؟

هل وجد فصلاً مناسباً؟

هل وجد معلماً مستقراً ومحفزاً؟

هل وجد الحد الأدنى من الخدمات الأساسية؟

هل وجد بيئة آمنة تساعده على التعلم؟

هل وجد اهتماماً حقيقياً بمستقبله؟

إذا كنا نريد عاماً دراسياً ناجحاً، فلا بد أن تتحول عودة الطلاب إلى المدارس إلى قضية وطنية ومجتمعية مشتركة، لا أن تبقى مسؤولية وزارة التربية والتعليم والمعلم ومدير المدرسة وحدهم.

المسؤولية على الجميع

اليوم نحن بحاجة إلى تكاتف حقيقي بين الجميع.

السلطة والحكومة والسلطات المحلية مطالبة بأن تضع التعليم في مقدمة أولوياتها، وأن تعمل على معالجة أوضاع المعلمين، وانتظام الرواتب، وتحسين بيئة المدارس، وتوفير ما يمكن توفيره من خدمات أساسية، خصوصاً في المناطق التي تعاني من الحرارة الشديدة وانعدام الكهرباء.

القطاع الخاص والتجار ورجال الأعمال عليهم أيضاً مسؤولية وطنية وأخلاقية. فدعم المدارس ليس منّة على الدولة ولا صدقة على الطلاب؛ إنه مساهمة في حماية مستقبل المجتمع. ويمكن للتجار ورجال الأعمال أن يقدموا الكثير، من توفير مراوح ومستلزمات مدرسية ومياه شرب وأجهزة طاقة شمسية، إلى دعم الأنشطة التعليمية ومساعدة المدارس الأكثر احتياجاً.

المجتمع المدني والمنظمات والمؤسسات المجتمعية مطالبة بأن تجعل دعم التعليم من أولوياتها، وأن تعمل على الحد من التسرب، ودعم الطلاب الأكثر احتياجاً، والمساهمة في توفير بيئة تعليمية أفضل.

وحتى المواطنون وأولياء الأمور لهم دور أساسي؛ فمتابعة الأبناء، وتشجيعهم على الدراسة، والتعاون مع المدرسة، وعدم الاستسلام أمام الظروف الصعبة، كلها خطوات قد تنقذ طالباً من التسرب وتعيده إلى مقعده الدراسي.

لنترك الخلافات جانباً عندما يتعلق الأمر بأطفالنا

قد نختلف سياسياً، وقد تختلف مواقفنا وتوجهاتنا، لكن يجب أن نتفق جميعاً على قضية واحدة لا تحتمل الخلاف:

أطفال اليمن ومستقبلهم.

لا ينبغي أن يكون الطالب ضحية للصراع السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي.

ولا ينبغي أن يصبح الفقر سبباً لحرمانه من التعليم.

ولا ينبغي أن تتحول المدرسة إلى مكان يذهب إليه الطالب فقط لأنه مطلوب منه الحضور، بينما تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العملية التعليمية.

نحن بحاجة إلى أن ننظر إلى المدرسة باعتبارها خط الدفاع الأول عن مستقبل الوطن.

فالمعارك تنتهي، والجبهات تهدأ، لكن نتائج التعليم تبقى لعقود طويلة.

جبهة التعليم تحتاج إلى قرار وطني

إذا كانت الدولة تخوض اليوم معركة استعادة مؤسساتها ومواجهة الجماعة الحوثية الانقلابية، فإن معركة بناء الإنسان لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى.

فالسلاح قد يحمي الأرض في لحظة، لكن التعليم هو الذي يبني الإنسان القادر على حماية الوطن وإدارته والنهوض به لعقود قادمة.

ولهذا فإن دعم المعلم، وحماية الطالب من التسرب، وتحسين المدارس، وتوفير الحد الأدنى من الخدمات، ليست قضايا ثانوية يمكن تأجيلها إلى وقت آخر.

إنها قضية أمن قومي ومستقبل وطني.

ومن هنا، فإننا نوجه رسالة واضحة إلى الحكومة ووزارة التربية والتعليم والسلطات المحلية، وإلى كل المؤسسات والجهات القادرة على المساهمة:

لا تتركوا المدارس وحدها في مواجهة هذه الظروف.

ساندوا المعلم.

ادعموا الطالب.

حافظوا على المدرسة.

افتحوا أبوابها أمام الجميع.

اعملوا على توفير الحد الأدنى من الظروف الملائمة للتعلم، خصوصاً في المناطق الساحلية والمدن التي تشتد فيها الحرارة وتنعدم فيها الكهرباء في كثير من المدارس.

ولا تسمحوا بأن يكون الفقر سبباً في إخراج طفل من المدرسة.

العام الدراسي مسؤولية وطن

إن نجاح العام الدراسي الجديد لن يُقاس فقط بعدد المدارس التي فتحت أبوابها، ولا بعدد الطلاب المسجلين في كشوفاتها، وإنما بقدرتنا على إبقاء هؤلاء الطلاب داخل مدارسهم، وحمايتهم من التسرب، وتوفير الحد الأدنى من التعليم الذي يصنع منهم رجال ونساء المستقبل.

اليوم يجب أن تتكاتف الأيدي:

يد الدولة، ويد المعلم، ويد ولي الأمر، ويد التاجر، ويد المجتمع المدني، ويد كل مواطن يؤمن أن مستقبل اليمن يبدأ من مقعد دراسي.

فإذا أردنا وطناً قوياً، فعلينا أن نبني إنساناً قوياً.

وإذا أردنا جيلاً قادراً على مواجهة التحديات، فعلينا أن نحمي حقه في التعليم.

وإذا كنا نريد أن ننتصر في معركة بناء اليمن، فعلينا ألا نخسر جبهة التعليم.

فالأوطان لا تُبنى بالحديد والنار وحدهما، وإنما تُبنى بالعقول التي تصنعها المدارس، وبالمعلمين الذين يحملون رسالة العلم، وبطلاب اليوم الذين سيكونون قادة اليمن غداً.

فلنجعل من بداية العام الدراسي الجديد بداية لتكاتف وطني حقيقي من أجل التعليم، ومن أجل المعلم، ومن أجل كل طالب يطرق باب المدرسة حاملاً حقيبته وحلمه بمستقبل أفضل.

فلا طالب يجب أن يتسرب، ولا معلم يجب أن يُترك وحيداً، ولا مدرسة يجب أن تُهمل... لأن مستقبل الوطن كله يجلس اليوم على مقاعد الدراسة.