آخر تحديث :الأحد-20 سبتمبر 2026-11:23م

اقتصاد التفاهة وصناعة الوعي: كرة القدم نموذجا

الإثنين - 10 أغسطس 2026 - الساعة 10:25 م
د. جمال الهاشمي


شهدت وتشهد صناعة كرة القدم التحول الأكثر راديكالية في تاريخها؛ إذ لم تعد لعبة شعبية تمارس بدافع الشغف العفوي وإنما تحولت إلى واحدة من أعتى أدوات صناعة الترفيه الاستهلاكي واستنزاف الوعي الإدراكي والمعرفي والأخلاقي حيث تعد اللعبة الأكثر نجاحا في إعادة تشكيل الوعي الجمعي وتشيؤ الجهل .

وفي عالمنا العربي لم يكن هذا التحول مواكبة لظاهرة عالمية او تقليدا أعمى لأقل الظواهر قيمة للمجتمعات بقدر ما تحول إلى اختراق ثقافي واجتماعي واقتصادي عميق ساهم في ترسيخ منظومة التسطيح وتوجيه طاقات المجتمعات نحو معارك وهمية في مرحلة تعاني فيه المنطقة من استحقاقات حضارية وتنموية مصيرية وازمات سياسية.

​إن المتأمل في عمق هذه الظاهرة يدرك أنها أصبحت تمارس الدور ذاته الذي كانت تؤديه سياسة الخبز والسيرك في الممالك القديمة والذي كتب عنه الفلاسفة لاختزال الواقع بسياسة الترفيه والألهاء، حيث يستخدم الصخب الكروي المتواصل كأداة ناعمة لإعادة ترتيب الأولويات الذهنية لدى الفرد العربي المعاصر وسلبه عن تاريخه وقيمه وحضارته تحتى دواعي التنمية التي لا تزيده الا جشعا وفقرا وانحطاطا .

ويتجلى ذلك بوضوح حينما تتحول الأخطاء التحكيمية وصراعات الانتقالات الصيفية وتفاصيل الحياة الخاصة للاعبين إلى قضايا الساعة التي تشغل الفضاء العام وتستنزف النقاشات، بينما نتجنب الأسئلة المصيرية المتعلقة بضعف الإنتاج العلمي والتحديات الاقتصادية وأزمات السيادة والتنمية والانحطاط والتفاهم التي أصبحت تغزو البيوت قسرا أو تحولها على عنف صراعي بين القيم المعاصرة والقيم الموروثة.

إنه من المؤلم جدا أن تغرق المجتمعات بلشغف على حساب النهضة وتطوير الذات وأن تنساق وراء شغف استهلاكي مؤقت، تفرغ شحنات الغضب والانفعال في نتيجتين إما فوز عابر أو خسارة لا تغير من واقع المجتمع شيئا حتى أن الاغاني والتمثيل والتهريج اللواتي كن من أخطر أدوات تدمير الذات من الداخل بالميوعة تارة أو الخوف أخرى أو الضحك ثالثا أخذت تنحو نحو كرة القدم لضمان استمرارها .

​ولم يتوقف هذا التأثير عند حدود الشغف الروحي وانما امتد ليتشابك مع آليات مجتمع الاستهلاك الذي يعيد تعريف الفرد بناءً على ما يستهلكه وليس على ما ينتجه.

وقد أُعيد تشكيل المشجع العربي ليكون زبونا مستهدفا في شبكة إعلانية عابرة للقارات حيث تستنزف الميزانيات الأسرية في شراء حقوق البث المشفر والقمصان المقلدة والأصلية وألعاب الفيديو لتتحول الأموال المتدفقة من قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والتطوير الشخصي إلى شرايين هذه الصناعة الترفيهية الضخمة. وقد أدى هذا المسار بالتوازي إلى تنميط مشوه لمفهوم القدوة لدى الأجيال الناشئة؛ إذ تراجعت مكانة العلماء والمفكرين لصالح نجوم الكرة وغرست في الوعي الجمعي فكرة أن التميز والثراء السريع يتأتيان من مهارة استعراضية استجمامية وليس من البناء المعرفي والجهد العلمي الدؤوب.

​وفي البعد الثقافي والهوياتي أحدثت هذه السطوة استلابا ناعما يعمق التبعية للمركزية الغربية.

حيث نجد الشاب العربي نفسه مقادا لترتيب وجدانه وفق مفاهيم وأولويات أندية ومدن لا ينتمي إليها تاريخيا ولا جغرافيا فيتعاطف مع قضاياها ويمتص قيمها الثقافية الوافدة في الوقت الذي تتقلص فيه معرفته بتاريخه واحتياجات مجتمعه المحلي. وتكتمل خطورة هذا الاستلاب عندما يفرز حالة من التشرذم الداخلي؛ إذ بدلا من أن تكون الرياضة مساحة للتقارب والتآخي يتحول التعصب الرياضي بفعل الشحن الإعلامي الصاخب إلى أداة لتقسيم المجتمع وتغذية النزاعات المحلية بين الجماهير وصرف الملايين عن التكاتف والتضامن حول قضاياهم الوطنية الحقيقية.

​إن هذه المنظومة برمتها تولد مجتمعات تفيب وعيها بالمظاهر بينما تفارق التفكير النقدي.

إن استعادة التوازن الثقافي في العالم العربي يتطلب إعادة اللعبة إلى مكانها الطبيعي كنشاط ترفيهي هامشي وإعادة الاعتبار للمعرفي والعلمي في صدارة المشهد الحضاري والالعاب التي تعظمها ثقافتنا العربية كالسباحة وسباق الخيل والرمي .

ومن مظاهرها السلبية التدفقات المالية الهائلة لتعميق ظاهرة التشوه الاقتصادي والقيمي. فعندما يشاهد الشاب في مجتمع يصارع البطالة والأزمات المعيشية أن عقدا سنويا للاعب كرة قدم واحد يمكن أن يغطي ميزانيات مؤسسات تعليمية أو بحثية بأكملها يحدث انكسار نفسي وإدراكي خطير في مفهوم القيمة؛ إذ تختزل قيمة العمل الجاد والتحصيل العلمي المجهد أمام الثراء السريع الناتج عن الترفيه الاستعراضي.

هذا التباين الحاد يغذي شعورا عاما بالاحباط والاغتراب ويعيد رسم سلم الطموحات لدى الأجيال الناشئة باتجاه غايات استهلاكية سريعة بدلا من الإنتاج المعرفي والتنموي الدائم وما حوادث الهجرة في سبتة وركوب قوارب الموت نحو الغرب إلا مؤشر من مؤشرات زوال الدول الطاردة وتنامي ثقافة العنف في مجتمعاتها.

​كما تساهم عقود الرعاية والرعايات التجارية المكثفة في ترسيخ آليات نزف الموارد المباشرة من الاقتصاديات النامية لصالح المراكز المالية الكبرى للعبة.

فالشركات متعددة الجنسيات العابرة للقارات والتي تضخ أرقاما خيالية في أندية الصف الأول تعتمد في النهاية على القوة الاستهلاكية للجماهير في مختلف دول العالم.

حيث يطلب من المشجع العربي والنامي أن يكون ممولا ينفق من دخله المحدود لشراء القمصان ذات العلامات التجارية الباهظة والاشتراك في منصات البث المشفرة واقتناء المنتجات الملحقة مما يعني تحويل أموال ساخنة من مجتمعات بأشد الحاجة للادخار والاستثمار المحلي إلى خزائن أندية وأقاليم أجنبية تمتلك بالفعل فائضا ماليا ضخما

​ومن الناحية التنموية أدى استنساخ هذا النموذج التجاري محليا إلى إعادة توجيه الموارد في بعض الدول النامية نحو بناء استثمارات ترفيهية ضخمة وبنية تحتية رياضية مكلفة غالبا ما تكون على حساب القطاعات الأساسية كالصحة والتعليم والبحث العلمي والزراعة.

على الرغم من ذلك في الحجاج اللامنطقي يشجع السياحة ويجذب الاستثمار إلا أن العائد الاقتصادي الحقيقي لهذه الاستثمارات كثيرا ما يظل محصورا في شريحة ضيقة من الشركات والرعاة بينما يتحمل الاقتصاد العام تكلفة الصيانة والتشغيل واستنزاف الميزانيات.

​ إن الإشكالية لا تكمن في وجود رأس المال في الرياضة بذاته وإنما في تحول كرة القدم إلى نظام إيكولوجي تجاري منفصل عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي للشعوب

و إن السعي وراء الرواتب الفلكية وصفقات الرعاية الاستعراضية عندما يمارس في بيئات تعاني من اضطرابات أمنية و تنموية يتحول من نجاح استثماري إلى أداة سلبية لتعميق التبعية الاقتصادية وتعمية الوعي الجمعي عن استحقاقات النهضة الحقيقية والعودة نخو مفاتيح الحضارة .

واخيرا ما اتعس العقل والمعرفة معا في عالم يتصارع على إنتاج التفاهة والغفلة والمتاجرة بها .