آخر تحديث :الثلاثاء-11 أغسطس 2026-02:38م

أندية عدن.. تدخلات السلطة المحلية وصمت الجهة الشبابية والرياضية

الإثنين - 10 أغسطس 2026 - الساعة 05:24 م
عبدالله الجفري


تراجع أندية عدن لم يعد مجرد نتيجة لأزمة مالية أو ضعف في الإمكانات، وإنما هو أيضاً نتيجة مباشرة لسنوات من التدخلات في إدارتها، والابتعاد عن الأطر القانونية المنظمة لعملها، في ظل غياب موقف واضح من الجهة المختصة بالرياضة.


خلال عهد المحافظ السابق، شهدت عدد من أندية عدن تدخلاً من السلطة المحلية في تشكيل وإدارة مجالس إداراتها، من خلال إسناد رئاسة أندية إلى مدراء عموم المديريات. وبغض النظر عن المبررات التي قيلت في حينها، فإن الأصل القانوني والإداري واضح: إدارة الأندية ليست اختصاصاً للسلطة المحلية، وإنما تخضع للقوانين واللوائح المنظمة للعمل الرياضي والجهات المختصة بتطبيقها.


وهنا تبدأ مسؤولية وزارة الشباب والرياضة ومكتبها في عدن.


فالوزارة ومكاتبها في المحافظات ليست جهة استشارية في العمل الرياضي، وإنما هي الجهة المعنية بتنفيذ السياسات والقوانين واللوائح المنظمة للقطاع الرياضي. ولذلك كان يفترض بها، منذ بداية تلك التدخلات، أن تحدد موقفها بصورة رسمية، وأن تؤكد للسلطة المحلية حدود اختصاصها، وأن ترفض أي إجراء يخالف القوانين واللوائح المنظمة للأندية.


لكن ذلك لم يحدث.


لم يصدر موقف مؤسسي واضح يرفض التدخل في اختصاصات الأندية، ولم تتخذ الوزارة أو مكتبها في المحافظة إجراءً يوقف هذا المسار أو يصححه. وبذلك لم تعد المشكلة في التدخل وحده، وإنما أصبحت أيضاً في غياب موقف الجهة التي تملك الاختصاص القانوني.


والنتيجة كانت أن تحولت الإجراءات التي كان يفترض أن تكون محل مراجعة إلى أمر واقع، واستمرت بعض الإدارات في ممارسة العمل السياسي داخل أنديتها وإهمال الأنشطة الرياضية، بينما تراجعت الأندية فنياً وإدارياً، وفقدت جزءاً من استقلالية قرارها.


ولا يمكن في هذا السياق إعفاء رؤساء الأندية الذين قبلوا بهذه التدخلات من المسؤولية. فرئيس النادي ليس موظفاً لدى السلطة المحلية، وإنما رئيس مجلس إدارة كيان رياضي له نظامه ولوائحه وشخصيته الاعتبارية. وكان يفترض أن يكون مجلس الإدارة طرفاً في حماية استقلال النادي، لا أن يصبح قبول التدخل وسيلة للحفاظ على الموقع الإداري.


كما أن التدخل لم يتوقف عند الإدارة، بل امتد إلى منع أندية عدن من المشاركة في الدوري العام، وهو ما نتج عنه هبوط ثلاثة أندية من الدرجة الأولى إلى الدرجة الأدنى، في كارثة رياضية أصابت أندية عريقة وأثرت على مكانتها ومستواها التنافسي.


وبعد خروج المحافظ السابق من المشهد، يبقى السؤال: من يتحمل مسؤولية هذه الكارثة؟


وهنا تتوزع المسؤولية بوضوح: الجهة التي تدخلت تتحمل مسؤولية التدخل، ومجالس الإدارات التي قبلت به تتحمل مسؤولية القبول، والجهة المختصة التي صمتت عن المخالفة تتحمل مسؤولية عدم القيام بدورها.


وهذه المسؤولية لا تعني بالضرورة إصدار عقوبات، وإنما تعني أولاً تطبيق القوانين واللوائح وتحديد المسؤولية، ثم اتخاذ الإجراء الذي تنص عليه اللوائح.


وكان انتهاء المرحلة السابقة يفترض أن يكون فرصة لتصحيح هذا المسار، لا استمرار آثاره. فتدخل الإدارة المحلية في شؤون الأندية كان تجاوزاً لاختصاصها، كما أن استجابة رؤساء الأندية لتوجيهاتها تمثل إخلالاً بالأمانة والمسؤولية التي أوكلت إليهم في حماية أنديتهم والحفاظ على مكانتها في الدرجة الأولى وتطوير مستواها والمنافسة على البطولات.


أما ترك الملف بلا مراجعة، فإنه يخلق مشكلة أكبر، لأنه يعطي انطباعاً بأن القوانين واللوائح يمكن تجاوزها ثم استمرار الوضع بعد ذلك من دون مسؤولية.


وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث داخل أي مؤسسة.


فاللوائح لا توضع لتطبق على البعض وتتوقف عند البعض الآخر، ولا ينبغي أن يرتبط تطبيقها بتغير الأشخاص أو الإدارات أو الظروف السياسية.


كما أن الحديث عن تطبيق القانون لا يعني الدعوة إلى الانتقام من رؤساء الأندية، بل مراجعة الإجراءات، وتحديد المسؤولية عند ثبوت المخالفة، ثم اتخاذ الإجراء الذي تنص عليه اللوائح.


إذا كانت اللوائح لا تنص على عقوبة، فلا عقوبة.


وإذا كانت تنص على إجراء، فيجب تطبيقه.


أما ترك القانون جانباً تحت عنوان التسامح أو تجاوز الماضي، فليس حلاً إدارياً.


فالسكوت عن المخالفة لا يصححها، وعدم مراجعتها لا يلغي مسؤولية من ارتكبها، بل قد يشجع على تكرارها من آخرين.


ولهذا فإن القضية اليوم لا ينبغي أن تختزل في المطالبة بتغيير رؤساء الأندية، وإنما في إعادة بناء العلاقة بين الأندية والسلطة المحلية والوزارة والاتحادات الرياضية على أساس الاختصاص.


ومن هنا، فإن الدعوة اليوم موجهة بوضوح إلى محافظ عدن عبدالرحمن شيخ: أن يحمي استقلالية الأندية، وأن يمنع أي تدخل من الإدارة المحلية في شؤونها أو في تشكيل مجالس إداراتها أو فرض قيادات عليها خارج الأطر القانونية، وأن يترك للجهات الرياضية المختصة ممارسة صلاحياتها وفق القانون واللوائح.


السلطة المحلية تستطيع أن تمول وتدعم وتوفر المنشآت والخدمات، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى جهة تدير الأندية أو تختار قياداتها خارج الأطر القانونية.


ووزارة الشباب والرياضة مطالبة بممارسة اختصاصها، لا بمجرد إصدار التوجيهات، وإنما بالرقابة والمتابعة وتطبيق اللوائح.


ومكتب الوزارة في عدن مطالب بأن يكون حاضراً في القضايا التي تمس الأندية، لا أن يتركها لمعالجات السلطة المحلية أو العلاقات الشخصية.


أما مجالس إدارات الأندية، فعليها أن تتحمل مسؤوليتها في الدفاع عن استقلالية مؤسساتها، وألا تجعل الحفاظ على الموقع الإداري أهم من حماية النادي.


إن ما حدث في أندية عدن خلال السنوات الماضية يجب ألا يتحول إلى سابقة إدارية يمكن تكرارها مستقبلاً.


فإذا كان قبول بعض مجالس الإدارات لذلك التدخل لم يخضع للمراجعة، وإذا استمر الوضع بعد انتهاء المرحلة التي حدث فيها، فإن الرسالة التي تصل إلى الجميع هي أن تجاوز اللوائح يمكن أن يصبح مقبولاً بمرور الوقت.


وهذه رسالة خطيرة على أي مؤسسة.


لذلك فإن المطلوب اليوم ليس معاقبة الماضي، وإنما تصحيح آثاره.


والمطلوب ليس الدخول في مواجهة مع السلطة المحلية، وإنما تحديد حدود اختصاصها.


والمطلوب ليس استهداف رؤساء الأندية، وإنما إخضاع أدائهم للقانون واللوائح مثل غيرهم.


والمطلوب من وزارة الشباب والرياضة ليس إصدار بيانات سياسية، وإنما القيام بدورها القانوني والمؤسسي.


أندية عدن بحاجة إلى هذا التصحيح قبل أن يكون الحديث عن أي مشروع للنهوض بها مجرد معالجة للنتائج وترك للأسباب.


فالمال يمكن أن يعالج جزءاً من الأزمة، والتعاقدات يمكن أن تحسن فريقاً لموسم أو موسمين، لكن النادي لا يمكن أن يستعيد عافيته من دون إدارة مستقلة، ونظام واضح، ورقابة مؤسسية، وتطبيق فعلي للقوانين واللوائح.


لقد آن الأوان لأن تتعامل وزارة الشباب والرياضة ومكتبها في عدن مع ملف أندية عدن باعتباره ملفاً مؤسسياً، لا ملفاً للأشخاص.


فالمطلوب ليس البحث عمن نختلف معه، وإنما معرفة ما إذا كانت القوانين قد طُبقت أم لا.


وإذا كانت القوانين قد خُرقت، فإن تصحيح المخالفة ليس انتقاماً، والتغاضي عنها ليس تسامحاً، وإنما تطبيق القانون هو الطريق الوحيد لمنع تكرارها وحماية أندية عدن من تدخلات جديدة قد تعيد إنتاج الأزمة نفسها.