كنت أعمل في مرفق من مرافق السلطة ، وقبل عقدين من الزمن ، تركت ذلك العمل ، وعدت إلى بلدتي ، ومسقط رأسي ، وبعد بضع سنين ، تملكني الشوق لأهلي ، وعبث بي الحنين ، فقررت شد الرحال إليهم ، وزيارتهم راجلا ، وتفقد أحوالهم ؛ لأن المركبات لم تكن تصل إليهم ، خلف سلسلة جبال مبدار في ذلك الحين .
انطلقت باكرا أودع جبلا وأستقبل ٱخر ، حتى بلغت نصف تلك السلسلة المتعبة . وفي هذه الأثناء ، رأيت طفلة تسبقني ببضعة مئات من الأمتار ، على رأسها جفنة لا أدري ما بداخلها ، وفي يدها قنينة ماء ، وعندما استشعرت بأنني خلفها ، حاولت تتثاقل في مشيها ، حتى وجدت شجرة وارفة الظل ، فوضعت ما على رأسها ، وما بيدها ، وجلست تنتظرني ، وبينما أنا سائر في الطريق ، نظرت إليها ، وإذا بها بين الخامسة والسابعة من العمر ، تلبس فستانا عربيا ، وسروالا يصل إلى قدميها ، رأسها مغطى برداء ، لونه يشبه لون دم الغزال ، أوكرانية العينين ، فارسية اللون ، عربية اليد واللسان ، عليها الوقار والاحترام ، وكأن عمرها فوق الأربعين .
اعترضت طريقي فجأة ، وقالت : أيها الشيخ تناول من هذا الطعام حاجتك ، واشرب من هذا الماء الفرات ما يطفئ ظمأك ، قلت : لست جائعا ولا ظامئا يا ابنتي ، قالت : كلا ياشيخ ، يجب أن تأكل من هذا الطعام الشهي ، وتشرب من هذا الماء الزلال ، فأنت يبدو عليك آثار التعب والسير من مكان بعيد ، قلت : ولكن لمن تحملين هذا الطعام يا ابنتي ؟ قالت : إنه لأبي الذي يعمل في ذلك الدخل المقابل ، لكنه سيكفيكما الإثنين ياشيخ ، ألا ترى الجفنة يملأها الطعام ؟
الأمر الذي جعلني أندهش من ذلك الموقف العجيب الغريب ، جلست عند ذلك ، وتناولت بعضا من الطعام ، وشربت شيئا من الماء ؛ لأجبر بخاطرها ، ثم نظرت إليها ، وقلت : أنت حاتمية الهوى والهوية يا ابنتي ، بارك الله فيك ، وكثّر من أمثالك . وبارك في أبويك ، اللذين غرسا فيك هذه القيم العربية الأصيلة النبيلة ، وهذا الكرم الحاتمي ، الذي قل أن نجد نظيره في طفلة بعمرك هذا ، في أي أمة أخرى .