لا يحتاج الناس إلى من يشرح لهم وجعهم، فالوجع لا يحتاج إلى شرح. هو حاضرٌ في تفاصيل الصباح، في وجه أبٍ يفكر في أسرته، وفي أمٍّ تخشى على أبنائها، وفي شابٍ يؤجل حلمه مرةً بعد أخرى، وفي موظفٍ ينتظر أن يستعيد راتبه قدرته على أن يكون راتبًا.
ولا يحتاج الناس أيضًا إلى من يخبرهم أن الطريق طويل، فهم الذين يمشون فيه كل يوم.
ما يحتاجونه، ربما أكثر من أي وقت مضى، هو أن يشعروا بأن هناك من يتوقف قليلًا، ينصت بعيدًا عن ضجيج المكاتب والخطابات، ثم يسأل بصدق وعزم:
ما الذي نحتاج إلى تغييره اليوم... حتى تبدأ الحياة؟
قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه في الحقيقة من أصعب الأسئلة التي يمكن أن تطرحها دولة على نفسها.
لأن الإجابة الصادقة قد تعني أن نراجع قرارًا، أو نطور سياسة، أو نغير طريقة عمل، أو نعترف بهدوء بأن شيئًا ما لم يعد يؤدي الغاية التي أُنشئ من أجلها.
وهذا ليس ضعفًا، بل ربما يكون أحد أشكال القوة.
فالدول لا تكبر لأنها لا تخطئ، وإنما لأنها تتعلم.
ولا تقوى لأنها لا تواجه الأزمات، وإنما لأنها تخرج من كل أزمة وهي أكثر فهمًا، وأكثر استعدادًا، وأكثر قدرة على حماية الإنسان وصناعة المستقبل.
ولذلك، ربما آن لنا في اليمن أن ننظر إلى الأمام قليلًا. لا لنهرب من الماضي، ولا لننسى ما دفعناه من أثمان، وإنما لنسأل:
ماذا تعلمنا؟
وكيف يمكن أن نجعل سنوات الألم والصبر والتضحيات بدايةً لمرحلة أفضل؟
فليس المهم فقط أن نعرف كيف وصلنا إلى هنا.. المهم أن نعرف كيف نخرج من هنا.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية للدولة، فالدولة ليست مبنىً حكوميًا، ولا ختمًا على ورق، ولا خطابًا يُلقى أمام الكاميرات.
الدولة هي أن يجد المريض بابًا مفتوحًا حين يحتاج إلى العلاج.
وأن يجد الطفل مدرسةً تحفظ له حقه في المستقبل.
وأن يجد الشاب فرصةً تجعله يؤمن بأن وطنه يستطيع أن يمنحه شيئًا غير الانتظار.
وأن يصل راتب الموظف في موعده، بقيمته العادلة التي تغطي التزاماته، وتصون حقه، وتحفظ كرامته، فيشعر أن وراء هذا الرقم مؤسسةً تتذكره.
وأن يمشي المواطن في الشارع وهو يشعر أن القانون ليس كلمةً بعيدة، بل حمايةٌ قريبة منه.
هذه هي الدولة كما يراها الناس.
ومن هنا، فإن الأمن والاقتصاد والخدمات والتنمية ليست ملفات متفرقة كما تبدو أحيانًا، إنها خيوطٌ في نسيج واحد.
فالأمن يمنح الاقتصاد فرصةً للنمو.
والاقتصاد يفتح للإنسان باب العمل والأمل.
والخدمات تعيد إليه شيئًا من كرامته.
والمؤسسات القوية تمنح كل ذلك فرصةً للاستمرار.
ولهذا، فإن المرحلة القادمة لا تحتاج فقط إلى إدارة ما تبقى من الأزمات، وإنما تحتاج إلى شيء أكبر:
أن نبدأ بصناعة الحياة.
وهنا تأتي قيمة الشراكات مع الأشقاء والأصدقاء.
وما قدمته المملكة العربية السعودية ودول التحالف والأشقاء والأصدقاء لليمن، خلال سنواته الصعبة يستحق التقدير والامتنان، ليس فقط لما حمله من دعمٍ ومساندة، وإنما لما مثله من وقوفٍ إلى جانب اليمن في واحدة من أصعب مراحله.
لكن أجمل ما يمكن أن تصنعه الشراكة هو أن يتحول الدعم إلى قدرة.
أن يتحول المشروع إلى مؤسسة تستطيع الاستمرار.
وأن تتحول المساندة إلى خبرة.
والخبرة إلى كفاءة.
والكفاءة إلى قدرةٍ يمنية تستطيع أن تواصل الطريق.
فالدعم الذي يساعد وطنًا على الوقوف عظيم،
أما الدعم الذي يساعده على أن يمشي بقدميه نحو المستقبل، فهو أعظم.
وهنا يأتي دور اليمنيين أيضًا، فلا أحد يستطيع أن يبني وطنًا بالنيابة عن أبنائه.
نحتاج إلى أن نرتب أولوياتنا، ونقوي مؤسساتنا، ونحترم الكفاءة، ونحارب الفساد، ونحسن إدارة مواردنا، ونحوّل كل فرصةٍ تأتي إلينا إلى خطوةٍ جديدة نحو الاعتماد على الذات.
ليس المطلوب أن نفعل كل شيء دفعةً واحدة.
يكفي أن نبدأ بما نستطيع، ثم نُحسن ما بدأناه.
ونتعلم مما لم ينجح.
ونحافظ على ما نجح.
ونترك للأجيال القادمة شيئًا أفضل مما وجدناه.
ولعل أجمل ما يمكن أن تفعله السياسة في حياة الناس هو ألا تجعلهم يشعرون بأنها بعيدة عنهم.
فالسياسة ليست فقط قرارًا في قاعة.
بل قد تكون دواءً يصل في موعده. وقد تكون مدرسةً تفتح بابها. وقد تكون وظيفةً تحفظ كرامة شاب.وقد تكون شارعًا آمنًا تعود عبره أمٌّ إلى بيتها مطمئنة. وقد تكون ببساطة...
قرارًا صغيرًا يجعل يوم إنسانٍ ما أقل قسوة.
لهذا، فإن السياسة الحكيمة لا تُقاس فقط بما تقوله، وإنما بما تتركه وراءها في حياة الناس.
والمؤسسة الناجحة ليست التي لا تخطئ، وإنما التي تمتلك الشجاعة لتتعلم.
والقيادة الرشيدة ليست التي تدّعي امتلاك كل الإجابات، وإنما التي تعرف متى تستمع، ومتى تراجع، ومتى تقول:
ربما نستطيع أن نفعل هذا بصورة أفضل.
ليس عيبًا أن نراجع أنفسنا، وليس ضعفًا أن نعترف بأن بعض السياسات تحتاج إلى تطوير.
بل إن القوة الحقيقية تبدأ عندما نمتلك الشجاعة لنقول:
لقد تعب الناس، وحان الوقت أن نصغي إليهم.
فاليمن لا يحتاج فقط إلى أن تنتهي الحرب، بل يحتاج إلى أن تبدأ الحياة.
والحياة لا تبدأ حين يصمت صوت السلاح فقط، بل حين يُسمع صوت الإنسان.
حين يصبح أمنه بوصلة.
وكرامته غاية.
ومستقبله أولوية.
وحين تصبح كل سياسة، وكل مؤسسة، وكل شراكة، وكل مشروع، سؤالًا واحدًا قبل أن تبدأ:
ماذا ستضيف إلى حياة هذا الإنسان؟
عندها فقط .. لن نكون قد أدرنا الأزمة بصورة أفضل فحسب.
سنكون قد بدأنا صناعة المستقبل.
وربما يكون هذا هو التغيير الذي نحتاجه فعلًا :
أن ننتقل من سؤال: كيف نعيش مع الأزمة؟
إلى سؤال أكبر:
كيف نبني وطنًا لا يرث فيه أبناؤنا أزماتنا... بل يرثون منا فرصةً لحياةٍ أفضل؟
وهنا... لا تنتهي الحكاية.
بل تبدأ الحياة.